frmsoui

الأربعاء، 25 أكتوبر 2017

القصة في العصر الجاهلي

القصة في العصر الجاهلي


ينقُلُ د. أحمد أمين في كتابه: "فجر الإسلام"؛ (ط12/ مكتبة النهضة المصرية/ 1978م/ 36) عن المستشرق البريطاني ديلاسي أوليري (De Lacy Oleary) في كتابه: "Arabia Before Muhammad" أن العربي ضعيف الخيال جامد العواطف، لكنه يعقب على ذلك بأن الناظر في شعر العرب، وإن كان لا يرى فيه أثرًا للشعر القصصي أو التمثيلي أو الملاحم الطويلة التي تُشيد بذكر مفاخر الأمة كـ: "إلياذة" هوميروس و"شاهنامة" الفردوسي، يلاحظ رغم ذلك براعةَ الشاعر العربي في فن الفخر والحماسة والغزل والوصف والتشبيه والمجاز، وهو مظهر من مظاهر الخيال، كما أن بكاء ذلك الشاعر للأطلال والديار، وذكره للأيام والحوادث، ووصفه لشعوره ووجدانه، وتصويره لالتياعه وهيامه، كل ذلك دليل على تمتعه بالعواطف الحية، ويردد أحمد حسن الزيات شيئًا قريبًا مما نقله أحمد أمين عن أوليري، وإن اختلفت مسوغاته؛ إذ من رأيه أن مزاولة هذا الفن تقتضي الروية والفكرة، والعرب أهل بديهة وارتجال، كما تتطلب الإلمام بطبائع الناس، وهم قد شغلوا بأنفسهم عن النظر فيمن عداهم، فضلًا عن احتياجها إلى التحليل والتطويل، على حين أنهم أشد الناس اختصارًا للقول، وأقلهم تعمقًا في البحث، مع قلة تعرضهم للأسفار البعيدة، والأخطار الشديدة، ثم إن هذا الفن هو نوعٌ من أنواع النثر، والنثر الفني ظل في حكم العدم أزمان الجاهلية وصدر الإسلام حتى آخر الدولة الأموية حين وضع ابن المقفع الفارسي مناهجَ النثر، وفكر في تدوين شيء من القصص؛ (أحمد حسن الزيات/ تاريخ الأدب العربي/ 31، 393).

بَيْدَ أن عددًا من كبار النقاد ومؤرخي الأدب عندنا تولَّى تفنيد هذه التهمة المتسرعة: ومِن هؤلاء الدكاترة: زكي مبارك، الذي أكد أن العرب "كجميع الأمم لهم قصص وأحاديث وخرافات وأساطير يقضون بها أوقات الفراغ، ويصورون بها عاداتهم وطباعهم وغرائزهم من حيث لا يقصدون"؛ (د. زكي مبارك/ النثر الفني في القرن الرابع/ دار الكتب المصرية/ 1934م/ 1/ 197)، كما رد عمر الدسوقي باستفاضة في كتابه: "في الأدب العربي الحديث"؛ (مطبعة الرسالة/ 1948م/ 331 - 347) على هذه الفِرية العنصرية، وأدحضها على أساس علمي وفلسفي، مبينًا أن ما كتبه العرب وما ترجموه من قصص في القديم والحديث ينبئ بجلاءٍ عما يتمتعون به من خيال ومهارة فنية في هذا السبيل، بل يذهب أحمد أمين أيضًا إلى أنه كانت هناك صلة بين عرب الجاهلية وآداب غيرهم من الأمم؛ كالإغريق والفُرس، تمثلت في أنهم أخذوا بعض القَصص فاحتفظوا به يروونه ويتسامرون به على الحال التي نقلوه عليها دون تبديل، أو صاغوه في قالب يتفق وذوقهم، علاوة على قَصصهم الأصيل الذي لم يأخذوه عن غيرهم مما نجده في "أيام العرب"، وما يسميه بـ: "أحاديث الهوى"؛ (انظر د. أحمد أمين/ فجر الإسلام/ 66 - 68).

ويقول محمود تيمور في كتابه: "محاضرات في القصص في أدب العرب: ماضيه وحاضره"؛ (معهد الدراسات العربية العالية/ القاهرة/ 1958م/ 26): "سارعنا إلى الإنكار على الأدب العربي أن فيه قصة، وما كان ذلك الإنكار إلا لأننا وضعنا نُصب أعيننا القصة الغربية في صياغتها الخاصة بها وإطارها المرسوم لها ورجعنا نتخذها المقياس والميزان، وفتشنا عن أمثالها في أدبنا العربي فإذا هو خِلْوٌ منها أو يكاد، وشد ما أخطأنا في هذا الوزن والقياس؛ فللأدب العربي قَصص ذو صبغة خاصة به وإطار مرسوم له، وهو يصور نفسية المجتمع العربي وخلاله فلا يقصر في التصوير، وإننا لنشهد فيه ملامحنا وسماتنا وضاحة، وكأننا لم نفقد في مجتمعنا العربي حتى اليوم ما يكشف عنه ذلك القصص من ملامح وسمات على الرغم من تعاقب العصور وتطاول الآماد، وهو في جوهره وثيق الصلة بالوشائج الإنسانية التي هي جوهر القصص الفني، وإن تباينت الصياغة واختلف الإطار"، ومِن الطريف أن تيمور كان يرى عكس هذا الرأي قبلًا، زاعمًا أن البيئات الصحراوية ينقصها الخيال، وأن ما تركه لنا العرب في هذا الميدان شيء ضئيل لا قيمة له، وإن صنف هذا التراث رغم ذلك إلى قصص عاطفي وقصص حربي وبطولي وقصص علمي فلسفي؛ (انظر محمود تيمور/ نشوء القصة وتطورها/ المجلة الجديدة/ سبتمبر 1936م/ 52، 54 - 56، 61، ومقدمته لمجموعة "الشيخ سيد العبيط"/ المطبعة السلفية/ القاهرة/ 1926م/ 41).

وفي ذات السياق يبدي محمد مفيد الشوباشي استنكاره من أنه "لا يزال بيننا أناس ينكرون على العرب كل ميزة حضارية، وينظرون بعين الاستهانة والازدراء إلى آياتهم الباهرة في ميادين الأدب والفن والعلم، وقد شملت استهانتهم وزرايتهم، فيما شملتا، القصة العربية القديمة! وسَنَدهم في هذا أن قصص العرب كانت إما أخبارًا أو حكايات أو شعرًا روائيًّا؛ فهي لا تشبه القصة الحديثة التي نعرفها بحال، وعلى ذلك لا تستحق أن تسمى: قِصَصًا"؛ (محمد مفيد الشوباشي/ القصة العربية القديمة/ سلسلة "المكتبة الثقافية"/ إبريل 1964م/3)، وبحق يقرر د. محمد حسين هيكل أن فن القصص قد عرفته جميع الأمم القديمة والحديثة، وأن "القصة"، كما نعرفها اليوم، ليست إلا شكلًا من الأشكال التي اتخذها هذا الفن على مدى تاريخه الطويل، وأن هذا الشكل سوف يتطور ولا شك في المستقبل إلى صور وألوان أخرى، أما بالنسبة إلى الأدب العربي القديم فهو يؤكد حُفُوله بالأعمال القصصية المعبرة عن أوضاع العصور التي ظهرت فيها وملامحها شعرًا ونثرًا؛ (انظر د. محمد حسين هيكل/ ثورة الأدب/ ط3/ مكتبة النهضة المصرية/ 1965م/ 67 - 73، وانظر كذلك مقاله: "رأي في القصة العربية"/ الهلال/ أغسطس 1948م/ 116).
ويفيض د. محمود ذهني، على مدى عشرات الصفحات من كتابه: "القصة في الأدب العربي القديم"، في مناقشة دعوى افتقار الذهن العربي إلى الخيال، وخلوِّ أدبنا القديم من الفن القصصي، مقدمًا عددًا من الأدلة العقلية والنصوصية، منها مثلًا: ما ورد في كتب التاريخ والحديث والتفسير من روايات عن النضر بن الحارث، الذي كان يحارب دعوة الرسول عليه السلام من خلال جلوسه مجلسه صلى الله عليه وسلم بين مشركي قريش وتلاوته عليهم حكايات الأكاسرة وقوَّادهم ورجال دولتهم بُغْية صرف قلوبهم عن الدين الجديد ومحاولة تخليصهم من تأثير كتابه المعجز، ومنها ورود كلمات "قصَّ" و"يقُص" و"قصة" و"قصص" في لغة العرب وكتاباتهم؛ مما يدل على معرفتهم بهذا اللون من الأدب، ومنها ما يقوله المؤرخون من أنه كان لمعاوية رجال موكلون بالكتب التي تتحدث عن أخبار العرب وسياسات الملوك الماضين يقرؤونها عليه كل ليلة، ومنها امتلاء كتب الأدب العربي بالحكايات والنوادر والقصص التي تدور حول عاداتهم وأحوال معيشتهم ومعاركهم وأساطيرهم، أو حول أخبار العجم وملوكهم وسيرتهم في رعاياهم، أو حول المغامرات والمكايد التي يَحيكها البشر بعضهم لبعض... إلخ؛ (انظر كتابه: "القصة في الأدب العربي القديم"/ مكتبة الأنجلو المصرية/ 1973م/ 53 - 144)، والواقع أن ما قاله د. ذهني صحيح مائة في المائة، فمَن يرجع إلى كتب الأدب العربي القديم سوف يهُوله المقدار الضخم للقصص التي تتضمنها تلك الكتب، وكثير منها يعود إلى العصر الجاهلي أبطالًا وموضوعات وتواريخ، ومن يُرد أن يتحقق من هذا يمكنه مثلًا النظر في كتاب "قصص العرب" لمحمد أحمد جاد المولى ومحمد أبو الفضل إبراهيم وعلي محمد البجاوي بأجزائه الثلاثة، وهذا الكتاب يحتوي على مئات من القصص، يخص العصرَ الجاهلي منها قدرٌ غير قليل، وإن لزم القول بأنه لا يتضمن مع ذلك جميع القصص العربية ولا معظمها، بل عينات منها فحسب، كما أنه لا يتعرض للقصص الطويلة بحال، بل يجتزئ بالقصص ذات الحجم الصغير، تلك القصص التي ينطبق على عدد غير قليل منها شرائط القصة القصيرة كما نعرفها الآن، وهذا مجرد مثال ليس إلا.

وعلى أساس ما مر ينبغي أن نقرأ ما كتبه فاروق خورشيد من أن "العلماء مجمِعون على أن العرب في الجاهلية كانت لهم قصص كثيرة ومتعددة، فقد كانوا مشغوفين بالتاريخ والحكايات التي تدور حول أجدادهم وملوكهم وفرسانهم وشعرائهم، وكتاب "الأغاني" لأبي الفرج الأصفهاني يكاد يكون ذخيرة كاملة من القصص الذي تتناقله الناس عن شعرائهم ومجالسهم وملوكهم... وليس كتاب "الأغاني" هو المرجع الوحيد في هذا، بل إن المكتبة العربية غنية بأمثال "الأمالي" و"صبح الأعشى" و"العِقد الفريد" و"الشعر والشعراء" وكتب التراجم والطبقات بما لا يدع مجالًا للشك في أن الفن القصصي قد تناول الحياة الجاهلية في كل مظاهرها، إلا أن الدارسين المحدَثين رفضوا - بكل بساطة - أن يعتبروا هذه القصص فنًّا نثريًّا مميزًا له أصوله الجاهلية، واعتمدوا في هذا على أن كل هذه الكتب إنما دونت في العصر العباسي الذي يبعد بعدًا زمنيًّا كبيرًا عن العصر الجاهلي"، ويمضي فاروق خورشيد مبينًا أن الذين قاموا بتدوين أخبار الجاهليين في العصر العباسي قد اعتمدوا، إلى جانب الرواية والحفظ، على ما خلفته الجاهلية من كتابات ومدونات؛ إذ كان التدوين والكتاب معروفين عند الجاهليين، "فقد يكون من المعقول" كما يقول "أن ينقل الراوي قصيدة شعر، أما أحداث تاريخ وحكاية حياة فهذه تحتاج إلى تدوين في نقلها"؛ (فاروق خورشيد/ في الرواية العربية/ ط3/ دار الشروق/ 1403هـ - 1982م/ 27 - 28)، بل إنه ليرى أن "الفن الجاهلي الأول كان هو القصة والرواية، أما ما عدا هذا من صور - كالخطابة والسجع - فلا تعدو أن تكون استجابة لحاجة مؤقتة من حاجات الحياة، ودرسها أقرب إلى درس اللغة منه إلى درس الأدب"؛ (المرجع السابق/ 74)، ومن كلام خورشيد هذا نخرج بأن عرب الجاهلية لم يكونوا يعتمدون في حفظ قصصهم على الذاكرة فقط، بل على الكتابة في المقام الأول.

فإذا جئنا إلى الدكتور شوقي ضيف وما أثبته في كتاب "العصر الجاهلي" في هذا الصدد، ألفيناه يؤكد أن عرب الجاهلية "كانوا يشغفون بالقصص شغفًا شديدًا، وساعدهم على هذا أوقات فراغهم الواسعة في الصحراء، فكانوا حين يُرخي الليل سدوله يجتمعون للسمر، وما يبدأ أحدهم في مضرب من مضارب خيامهم بقوله: "كان وكان" حتى يرهف الجميع أسماعهم إليه، وقد يشترك بعضهم معه في الحديث، وشباب الحي وشيوخه ونساؤه وفتياته المخدَّرات وراء الأخبية، كل هؤلاء يتابعون الحديث في شوق ولهفة، بيد أنه يستمر قائلًا: إنهم لم يكونوا يدونون قصصهم، بل يتناقلونه شفاهًا، إلى أن تم تدوينه في العصر العباسي، ومن ثم لم يصلنا كما كان الجاهليون يروونه، وهذا نص كلامه: "ليس بين أيدينا شيء من أصول هذا القصص الذي كان يدور بينهم، غيرَ أن اللغوين والرواة في العصر العباسي دونوا لنا ما انتهى إليهم منه، وطبيعي أن تتغير وتتحرَّف أصوله في أثناء هذه الرحلة الطويلة التي قطعتها من العصر الجاهلي إلى القرن الثاني الهجري، وإن كان مِن الحق أنها ظلت تحتفظ بكثير من سمات القصص القديم وظلت تنبض بروحه وحيويته"؛ (العصر الجاهلي/ 399)، فعندنا إذًا من يقول: إن الجاهليين كانوا يدونون تاريخهم وقصصهم كتابة، ومن يقول: إنهم لم يكونوا يصنعون شيئًا من ذلك، وصاحب هذا الرأي الأخير، وهو الدكتور شوقي ضيف، لا يكتفي بذلك، بل يرد ما جاء عن هشام بن محمد الكلبي من أنه رأى في بِيَع الحِيرة بعض مدونات استخرج منها تاريخ العرب؛ لأنه متهم في كثير مما يرويه، على حد تعبيره، وهو ما لا يُعد دليلًا كافيًا؛ إذ حتى لو كان هذا الاتهام صحيحًا فليس معناه أنه كان يكذب في كل شيء ولا يقول الصدق أبدًا، وبخاصة أن ما قاله عن مدونات الحِيرة لا يدخل في باب الخرافات التي لا يقبلها العقل؛ فقد كان من العرب من يكتب حسبما هو معروف لنا جميعًا، وبالذات في مملكة الحِيرة التي كانت تتبع إمبراطورية الفُرْس أصحاب الكتابة والسجلات والدواوين.

وقد أوردنا في الفصل الخاص بالشعر الجاهلي من هذا الكتاب أنه كان لدى ملوك الحِيرة ديوان يضم أشعار فحول الجاهلية ومدائح من مدحهم من شعرائها، وهو يظاهر ما قاله ابن الكلبي ويعضده، أما قول الأستاذ الدكتور عقب ذلك: إنه "حتى لو صحت روايته فأغلب الظن أن ما شاهده من تلك المدونات لم يكن مكتوبًا بالعربية، إنما كان مكتوبًا بالسريانية، التي كانت شائعة في الحِيرة قبل الإسلام" - فهو مصادرة على المطلوب؛ إذ معنى كلامه هذا أن كلام ابن الكلبي ليس صحيحًا؛ لأنه ليس صحيحًا، كيف؟ إنه، بعد أن يفترض أن ما قاله ذلك العالم المسلم صحيح، يعود فيقول: إنه لا يمكن أن تكون الكتابات التي رآها عربية، بل سريانية، وهو ما يفيد أنه لا يزال يكذب؛ لأنه إنما كان يقصد أنه قرأ ذلك بالعربية؛ إذ لم يكن يعرف السريانية، وإلا لعُرف ذلك عنه أو لقال: إنه استعان في الاطلاع على ما فيها بمن يعرف السريانية، كما أن سياق الكلام يدل على أن المراد كتابات عربية، ومعنى هذا أنه يقول: إنه قرأ الكتابات المذكورة بالعربية، على حين يقول واقع الأمر: إنها كانت مكتوبة بالسريانية التي لم يكن يعرفها؛ أي إنه لم يقرَأْها على هذا الاحتمال أيضًا، وأنه قد كذب هنا كذلك! لكن هل يمكن أن يكون ما قاله د. شوقي في حق ابن الكلبي سليمًا؟ أما أنا فلست أستطيع أن أوافق أستاذي الذي أكنُّ له كل الاحترام؛ لأن الذي أعرفه أن مملكة الحِيرة كانت مملكة عربية، فلماذا تتحدث مملكة كهذه بلسان السريان لا بلسان العرب؟ كما أن الشعراء العرب الكبار في الجاهلية كانوا يقصدون ملوكها ويمدحونهم أيضًا بالعربية لا بالسريانية، والأستاذ الدكتور لا ينكر هذا، بل يثبته في كتبه التي تتعرض لشعر تلك الحقبة؛ ككتابه الذي بين أيدينا، وكتابه عن "الفن ومذاهبه في الشعر العربي" مثلًا، وفوق هذا فإن أسماءَ ملوكها أسماء عربية لا سريانية، أما إن ثبت مثلًا (أقول: مثلًا!) أن السريانية كانت تستعمل في بعض الطقوس الدينية فهذا شيء آخر غير ما نحن بصدده، إذًا فلماذا يجب أن يكون القصص المذكور مكتوبًا هو بالذات بالسريانية؟

وثمة خبر كذلك أورده المسعودي في "مروج الذهب" عن معاوية يدل على أنه كان هناك منذ خلافته على الأقل تدوين كتابي لما كان الجاهليون يروونه من قصص وحكايات وأسمار، وأن هذا التدوين من ثم لم ينتظر حتى مجيء العصر العباسي، كما يقول د. شوقي ضيف، وهذا هو النص المذكور، وقد ورد في سياق كلام المسعودي عن المنهج الذي كان معاوية يتبعه في إنفاق ساعات يومه نهارًا وليلًا، وهو خاص بسماع العاهل الأموي أخبار العرب وأيامها في الجاهلية: "ويستمر إلى ثلث الليل في أخبار العرب وأيامها والعجَم وملوكها وسياستها لرعيتها وسير ملوك الأمم وحروبها ومكايدها وسياستها لرعيتها، وغير ذلك من أخبار الأمم السالفة، ثم تأتيه الطُّرَف الغريبة من عند نسائه من الحلوى وغيرها من المآكل اللطيفة، ثم يدخل فينام ثلث الليل، ثم يقوم فيقعد فيحضر الدفاتر فيها سير الملوك وأخبارها والحروب والمكايد، فيقرأ ذلك عليه غلمان له مرتبون، وقد وُكلوا بحفظها وقراءتها، فتمر بسمعه كل ليلة جُمَلٌ من الأخبار والسير والآثار وأنواع السياسات، ثم يخرج فيصلي الصبح، ثم يعود فيفعل ما وصفنا في كل يوم"، ولدينا أيضًا كتاب "أخبار عبيد بن شرية الجرهمي في أخبار اليمن وأشعارها وأنسابها"، الذي سجل فيه مؤلفه ما كان يقع بينه وبين معاوية بن أبي سفيان من حوارات تاريخية، وكان معاوية قد استقدمه ليستمع منه إلى أخبار ملوك اليمن، ويذكر ابن النديم أن عبيدًا وفد على معاوية فسأله عن الأخبار المتقدمة وملوك العرب والعجَم، وسبب تبلبل الألسنة، وأمر افتراق الناس في البلاد، وكان قد استحضره من صنعاء اليمن، فأجابه إلى ما سأل، فأمر معاوية أن يدون ذلك ويُنسب إلى عبيد، وهو الكتاب الذي يؤكد المسعودي أن صاحبه هو الوحيد الذي صح وفوده على معاوية من رواة أخبار الجاهلية، قال: "ولم يصح عند كثير من الأخباريين من أخبار مَن وفد على معاوية من أهل الدراية بأخبار الماضين وسير الغابرين العرب وغيرهم من المتقدمين فيها إلا خبر عبيد بن شرية، وإخباره إياه عما سلف من الأيام وما كان فيها من الكوائن والحوادث وتشعُّب الأنساب، وكتاب عبيد بن شرية متداول في أيدي الناس مشهور".

ترى هل بإمكاننا القول بأن تدوين القصص الجاهلي لم يتأخر به الزمن إلى عصر العباسيين على عكس ما يقول به د. شوقي ضيف؟ ذلك أننا هنا أمام دليل مكتوب يقول: إن هذا التدوين قد بدأ منذ أول العصر الأموي، وإن كنا لا نستطيع الجزم على وجه اليقين كما صنع فاروق خورشيد بأن ذلك التدوين قد بدأ في الجاهلية فعلًا، بالضبط مثلما لا نستطيع الجزم بعكسه أيضًا، لكن إلى أي مدى نستطيع القول بأن ما كتبه عبيد بن شرية هو قصص جاهلي فعلًا؟ إنه يتحدث مثلًا عن قوم عاد وما أنزله الله بهم بسبب عصيانهم وكفرهم، كما نقرأ في القرآن المجيد، فهل كان الجاهليون يعرفون ما أورده القرآن في هذا الصدد من تفصيلات زادتها القصة تفصيلات أخرى كثيرة لم ترد في الكتاب المجيد؟ وهل كانوا يعرفون في ذلك الصدد مثل التعبير التالي: "سبع ليال وثمانية أيام حسومًا تركتهم كأنهم أعجاز نخل خاوية" حسبما ورد في كتاب عبيد، وهو تعبير قرآني ورد في سورة "الحاقة" عند رواية المولى سبحانه قصة هلاكهم؟ ومن ثم فهل نعد ما تركه لنا عبيد قصصًا جاهليًّا أضاف هو إليه تفصيلات إسلامية؟ أم هل نعده قصصًا إسلاميًّا تام الإسلامية على أساس أن الجاهليين، وإن كانوا قد سمعوا بعاد، لم يكن عندهم علم بما وقع بهم تفصيلًا من مصائب جراء كفرهم وتمردهم؟ هذا أمر من الصعب البت فيه، كذلك لا بد من الإشارة إلى أن القصص الجاهلي لم يكن نثرًا فحسب، بل كان شعرًا أيضًا، كما أن كثيرًا من القصص العربي المأثور عن الجاهلية أو الذي يتخذ من الجاهلية موضوعًا له يختلط فيه الشعر والنثر، وليس نثرًا صافيًا.

وأول شيء نتعرض له الآن هو: ما مدى تطابق هذه النصوص القصصية مع ما تركه لنا الجاهليون من تلك النصوص؟ فأما النصوص القصصية الشعرية فيغلِب على الظن أنها أقرب إلى ما تركه العرب فعلًا، على أساس أن الشعر سهل الحفظ بسبب ما يقوم عليه من تركيز ونغَم موسيقي، اللهم إلا إذا ثبت أن ثمة تزييفًا أو تلاعبًا في النص، وأما النصوص النثرية فحتى لو قبلنا ما تقوله بعض الروايات من أنه كان هناك قصص جاهلي مكتوب، فإن هذا لا يسوِّغ أبدًا إطلاق مثل ذلك القول وتعميمه على كل القصص؛ إذ كانت الكتابة في الجاهلية محصورة في نطاق ضيق مما يستبعد الدارس معه التوسع في كتابة مثل تلك النصوص التي لا علاقة لها بالمعاهدات أو الرسائل الرسمية وما أشبه، وبخاصة إذا علمنا أن مواد الكتابة لدى العرب آنذاك كانت نادرة وبدائية في غالب الأمر، كذلك قد يقال: إن الأسلوب الذي صِيغت به تلك النصوص القصصية لا ينسجم بوجه عام مع ما نعرفه من النصوص النثرية الجاهلية على قلتها من خطب وأمثال وأسجاع كهان، بل ينسجم بالأحرى مع الكتابة العربية بعد تطورها في العصر العباسي الذي دقت فيه الأفكار ولانت فيه الأساليب ورقت وتلونت ووضح فيها روح التحضر، إلا أنه يمكن مع هذا الرد بأن أسلوب القصص بطبيعته أسلوب بسيط منساب لا يعرف الوعورة ولا الاحتفال اللذين نجدهما في كثير من الأشعار والخطب الجاهلية أو غير الجاهلية، لكن إلى أي مدى ابتعدت تلك النصوص عن الروايات الأصلية التي كان يتداولها أهل الجاهلية؟ الواقع أنه يصعب جدًّا، بل يستحيل في الظروف الحالية، القطع بشيء من هذا، وإن كنا نتصور أن الموضوعات قد بقيت كما هي أو ظلت قريبة مما كانت عليه في الأصل، أما سبب القطع بأن تلك النصوص قد نالها قدر من التحوير فذلك راجع إلى أنها نصوص نثرية لا تعلق بالذاكرة علوق الشعر، الذي رأينا في الفصل الخاص به أنه هو أيضًا لم يسلم تمامًا من التغييرات الراجعة إلى ما يعتري الذاكرة البشرية من ضعف أو التباس على الأقل، كما أنه لم يكن هناك ما يدعو إلى بذل الجهد والاهتمام في حفظ النصوص القصصية مثلما هو الحال في القرآن الكريم، وكذلك حديث النبي عليه السلام ولكن بدرجة أقل، ولا كانت النصوص القصصية مسجوعة كمواعظ الحنفاء وأحاديث الكهان، أو قصيرة موقعة كالأمثال، وفضلًا عن هذا فإن القصص الجاهلي لا يرتبط بشخص بعينه قد ألَّفه على عكس الشعر الذي يُنسب، إلا في الشاذ النادر، إلى هذا الشخص أو ذاك، أما القصص فإنها في الأغلب نتاج جماعي، والجماعة لا تهتم بالتدقيق في حفظ إبداعها قدر اهتمام الأفراد بإنتاجهم كما هو معروف، بل إني لأؤكد أن القصاصين أنفسهم هم أول من أدخل التحويرات والتغييرات في تلك النصوص طبقًا لما هو معروف من حكايتهم لها كل مرة بطريقة مختلفة قليلًا أو كثيرًا عن المرة السابقة بحُكم ضعف الذاكرة البشرية والحالة النفسية التي يكونون عليها والجو الذي يحيط بهم أثناء قيامهم بعملية القص ... إلخ، فإذا كان هذا هو حال المبدع نفسه، فما بالنا براوي هذا الإبداع؟ ويبقى البناء الفني لهذا القصص الجاهلي، ولا أظننا بقادرين على البت في السؤال الخاص بمدى بقاء ما وصلنا من قصص جاهلي على حالته الفنية التي خلفها لنا قصاص الجاهلية؛ ذلك أننا لا نملك أي مستندات كتابية تصور لنا ما لحقه من تطور رغم ما قيل من أنه كانت هناك بعض الوثائق القصصية المكتوبة التي تركها لنا الجاهليون في هذا الفن يومًا؛ إذ العبرة بما في اليد الآن لا بما كان في أيدي القدماء.

والآن إلى الموضوعات التي تناولتها القصة الجاهلية، ولسوف نسترشد بما اشتمل عليه كتاب "قصص العرب" الذي سلفت الإشارة إليه على رغم علمنا بأنه لا يقتصر على القصص الجاهلي وحده؛ ذلك أن ما يصدق على قصص العرب في الإسلام من هذه الناحية يصدق أيضًا بوجه عام على قصصهم قبله، اللهم إلا ما كان مختصًّا بهذا أو ذاك دون قسيمه، وهو أمر من السهل معرفته في معظم الأحيان لأول وهلة، ومن ينظر في فهرس الكتاب الذي نحن بصدده يجد أن أصحابه قد قسموا القصص العربية إلى: قصص تستبين بها مظاهر حياتهم وأسباب مدنيتهم بذكر أسواقهم وأجلاب تجارتهم والمساكن التي كانت تؤويهم وسائر ما كان على عهدهم من دلائل الحضارة ووسائل العيش، وقصص تتضمن معتقداتهم وأخبار كهَّانهم وكواهنهم وتبسط ما كانوا يعرفون من حقائق التوحيد والبعث والدار الآخرة وما كانوا يتوسلون به من إقامة الأوثان وتعهدها بألوان الزلفى والقربان، وقصص تجلو علومهم ومعارفهم وتتوضح منها ثقافتهم وما كان متداولًا بينهم من مسائل العقل والنقل التي هدتهم إليها فطرهم أو أنهتها إليهم تجارِبهم، وقصص يُرى منها ما كانوا يتغنون به من المكارم والمفاخر وما كانوا يتذممون به من المناقص والمعرات، سواء أكان ذلك يتصل بكل منهم في نفسه أم فيما يتصل بالأقربين من ذويه، أم فيما يضم أهل قبيلته، أم فيما يشمل الناس جميعًا، وقصص تعدد غرائزهم وخصالهم فتكشف ما طبعوا عليه من وفرة العقل وحدة الذكاء وصدق الفراسة وقوة النفس وما أهلتهم له طبيعة بلادهم وأسلوب حياتهم من شريف السجايا وممدوح الخصال، وقصص تشرح ما أُثر عنهم من عادات وشمائل في الأسباب الدائرة بينهم، وتبين ما انتهجوه في مواسمهم وأعيادهم وأفراحهم وأعراسهم مما يمثل حياتهم الاجتماعية أصدق تمثيل، وقصص تمثل أحوال المرأة العربية وما تجري عليه في تربية أطفالها ومعاشرتها زوجها ومعاونتها له في الحياتين الاجتماعية والمدنية بالسعي في سبيل الرزق والاشتراك في خوض معامع الحروب والأخذ بقسط من الثقافة الأدبية السائدة في ذلك العهد، وقصص تمثل ذلاقة لسانهم وحكمة منطقهم وما ينضاف إلى ذلك من فصاحة اللفظ وبلاغة المعنى وجمال الأسلوب وحسن التصرف في الإبانة والتعبير وقصص تسرُد بارع مُلَحهم وروائع طرقهم في جواباتهم المسكتة وتصرفاتهم الحكيمة وتخلصاتهم اللبقة؛ مما يدل على حضور الذهن وسرعة البديهة وشدة العارضة، وقصص تعرب عما يقع بين العامة والملوك والقواد والرؤساء والقضاة ومن إليهم من كل ذي صلة بالحكم والحكَّام مما يتناول حِيلهم في المنازعات والخصومات ويوضح طرائقهم في رفع الظلامات ورجع الحقوق وما يجري هذا المجرى، وقصص تصور احتفاظهم بأنسابهم واعتزازهم بقبائلهم وتمجيدهم للأسلاف وتعديدهم ما تركوا من مآثر وما أدى إليه ذلك من مفاخر ومنافرات، وقصص تنقل ما كانوا يتفكهون به من أسمار ومطايبات ومناقدات وأفاكيه مما نال به المحدثون والندماء سنيَّ الجوائز والخلع من الخلفاء والوزراء وما ارتفعت به مكانتهم عند السادة والوجوه في المجتمعات والمنتديات، وقصص تؤرخ مذكور أيامهم وتفصل مشهور وقائعهم ومقتل كبرائهم وتصف الحروب والمنازعات التي كانت تدور بين قبائلهم أخذًا بالثأر وحماية للذمار، وقصص تحكي ما كان للجند من أحداث وأحاديث في الغارات والغزوات والفتوح مصورة نفسياتهم وأحوالهم واصفة تطوراتهم العقلية والخلقية بنشأة الدولة العربية وانفساح رقعتها مفصلة عددهم وآلاتهم وأسلحتهم في حياتهم الجديدة، ومن الواضح مثلًا أن العناوين التي يرد فيها ذكر الخلفاء أو الوزراء أو الدولة العربية وحياتهم الجديدة هي من القصص التي تنتمي إلى تاريخهم الإسلامي لا الجاهلي، ومن الواضح أيضًا أن واضعي الكتاب قد ركزوا في تلك العناوين على الجوانب الطيبة في الشخصية العربية تعصبًا منهم للعرب، وكأن العرب كانوا بلا عيوب، وهو ما يكذبه الواقع ومنطق الحياة، بل يكذبه قبل ذلك كله ما نقرؤه في تلك القصص نفسها التي بين أيدينا، وإن كنا نتفهم الدوافع التي حدت بالمؤلفين إلى انتهاج تلك الخطة؛ إذ كانوا يرون الهجوم الظالم الذي يشنه على أمة العرب أعداؤها الخارجيون وأذنابهم من بين أظهرنا في الداخل، فأرادوا أن يقولوا: إن العرب لم يكونوا يومًا بهذا السوء الذي يصورهم به هؤلاء وهؤلاء، بل كانت لهم دائمًا حسناتهم الباهرة وإنجازاتهم الرائعة المعجبة التي يضارعون بها كثيرًا من الأمم الأخرى، إن لم يتفوقوا فيها عليهم.

وقد رجع واضعو الكتاب إلى عشرات الكتب التراثية كي ينقلوا منها ما ضمنوه كتابهم من قصص، والناظر في عناوين المراجع والمصادر المذكورة في فهارس ذلك الكتاب يجد أن بعض تلك الكتب تاريخي، وبعضها أدبي، وبعضها قصصي، وبعضها يتعلق بسيرة هذا الشخص أو ذاك، وبعضها من كتب الأمالي، وبعضها من الكتب التي تشرح الأمثال، وبعضها من كتب الموسوعات، وبعضها من كتب الطرائف، وبعضها من دواوين الشعر ومجموعاته وشروحه، وبعضها من كتب التراجم العامة أو الخاصة، وبعضها من كتب السياسة، وبعضها من كتب الشواهد اللغوية ... إلخ، ولعل مِن المستحسن أن نورد هنا بعض أسماء تلك الكتب؛ فمنها مثلًا: "أخبار الأذكياء" لابن الجوزي، و"الأغاني" لأبي الفرج الأصفهاني، و"الأمالي" للشريف الرضي، و"الأوراق" للصولي، و"بلاغات النساء" لأحمد بن أبي طاهر، و"جمهرة أشعار العرب" لأبي زيد الخطابي، و"الحيوان" للجاحظ، و"زهر الآداب" للحصري، و"صبح الأعشى" للقلقشندي، و"العِقد الفريد" لابن عبدربه، و"الكامل في الأدب" للمبرد، و"الكامل في التاريخ" لابن الأثير، و"المحاسن والمساوئ" للبيهقي، و"المستطرف من كل فن مستظرف" للأبشيهي، و"معجم الأدباء" لياقوت الحموي، و"نقائض جرير والفرزدق" لأبي عبيدة، و"نهاية الأرب" للنويري... وهلم جرًّا.

دراسة للخطب في الجاهلية


دراسة للخطب في الجاهلية (2)



ومما لا يطمئن له قلب الباحث في خُطب الجاهليين ورود عبارات لا يمكن أن تكون من كلامهم ولا صدرت عنهم، كما في الشاهد التالي، وهو من خطبة عامر بن الظرب العدواني حين خطبت ابنته عمرة؛ إذ جاء فيها قوله لقومه: "فهل لكم في العلم العليم؟ قيل: ما هو؟ قد قلتَ فأصبتَ، وأخبرت فصدقتَ، فقال: أمورًا شتى وشيئًا شيًّا، حتى يرجع الميت حيًّا، ويعود لا شيء شيًّا"؛ إذ من المستبعد تمامًا أن يعرف الجاهليون مصطلح الـ"لا شيء" هذا، فهو لفظ منحوت لا أظنه أبدًا قد سُك ونزل إلى ساحة الكلام قبل العصر العباسي! بيد أن هذا لا يعني بالضرورة أن يكون النص كله مشكوكًا فيه، فإني لا أجد في نفسي شيئًا ذا بال من أن تكون هذه الخطبة، فيما عدا الكلمة المذكورة، قد قالها ذلك الرجل الجاهلي، إما كما هي أمامنا الآن أو بعد أن تكون الذاكرة أو الأقلام قد مستها بعض المس خلال رحلتها من عصر ما قبل الإسلام إلى عصر التدوين، وبخاصة أن قد رواها لنا أمثال الميداني والجاحظ وابن عبدربه حسبما ذكر أحمد زكي صفوت في ذيلها، فضلًا عن أن السجع فيها ليس متكلَّفًا ولا مطردًا، كما في بعض الخطب الأخرى.

كما أن في بعض تلك الخطب ترفًا ثقافيًّا وأدبيًّا لا يقدر عليه الجاهليون، ومن ثم كنا لا نطمئن إليها، لنأخذ مثلًا النص التالي: "كان قيس بن رفاعة يفِدُ سنة إلى النعمان اللخمي بالعراق، وسنة إلى الحارث بن أبي شمر الغساني بالشام، فقال له يومًا وهو عنده: يا بن رفاعة، بلغني أنك تفضل النعمان عليَّ، قال: وكيف أفضله عليك أبيت اللعن؟ فوالله لقفاك أحسن من وجهه، ولأمك أشرف من أبيه، ولأبوك أشرف من جميع قومه، ولشمالك أجود من يمينه، ولحرمانك أنفع من نداه، ولقليلك أكثر من كثيره، ولثمادك (أي قليل مائك) أغزر من غديره، ولكرسيك أرفع من سريره، ولجدولك أغمر من بحوره، وليومك أفضل من شهوره، ولشهرك أمد من حوله، ولحولك خير من حقبه (الحقب: القرن)، ولزندك أورى (أسرع إلى الاشتعال) من زنده، ولجندك أعز من جنده، وإنك لمن غسان أرباب الملوك، وإنه لمن لخم الكثير النوك (الكثير الحمقى)، فكيف أفضله عليك؟"، فمما لا يطمئن له القلب في قول قيس بن رفاعة للحارث بن أبي شمر العبارة التالية: "وليومك أفضل من شهوره، ولشهرك أمد من حوله، ولحولك خير من حُقبه"؛ إذ إن صياغة مثل تلك العبارة تحتاج إلى ما لا يحسنه الجاهليون من تنوُّق وترفُّه فكري وأسلوب يتمثل في التصاعد بالمعنى من اليوم إلى الشهر إلى الحول إلى الحقب في تسلسل جذاب تأخذ كل حلقة فيه بيد جارتها في شكل فني لا نظير له لدى الجاهليين، أما سائر الخطبة فلا أجد فيه شيئًا يبعث على الريبة.

وإذا كان هناك من الخطب والأحاديث ما يرهقه السجع والجناس والموازنة وغير ذلك من زخارف البديع مما لا نعرفه في كلام الجاهليين ولا الإسلاميين، فإن هناك على العكس من ذلك خطبًا وأحاديث تخلو تمامًا من مثل ذلك التكلف، أو تكتفي من تزاويق البديع بالقليل الذي يسبغ على الكلام شيئًا من الرونق دون إسراف، كما في المثال التالي من الحوار الذي دار بين قيس بن خُفاف البرجمي وحاتم الطائي: "أتى أبو جبيل قيس بن خفاف البرجمي حاتم طيِّئ في دماء حملها عن قومه فأسلموه فيها وعجز عنها، فقال: والله لآتين من يحملها عني، وكان شريفًا شاعرًا، فلما قدم عليه قال: إنه وقعت بين قومي دماء فتواكلوها، وإني حملتها في مالي وأملي، فقدمت مالي، وكنت أملي، فإن تحملها فرب حق قد قضيته، وهم قد كفيته، وإن حال دون ذلك حائل لم أذمم يومك، ولم أيْئَس من غدك، ثم أنشأ يقول:
حملتُ دماءً للبراجمِ جمَّةً
فجئتُك لمَّا أسلمتني البراجمُ
وقالوا سفاهًا: لِمْ حملتَ دماءنا؟
فقلت لهم: يكفي الحَمالةَ حاتمُ
متى آتِه فيها يقل ليَ: مرحبًا
وأهلًا وسهلًا، أخطأَتْك الأشائمُ
فيحملها عني، وإن شئتُ زادني
زيادة مَن حنَّتْ إليه المكارمُ
يعيش الندى ما عاش حاتمُ طيِّئٍ
فإن مات قامت للسخاء مآتمُ
ينادين: مات الجودُ مَعْك فلا نرى
مجيبًا له ما حامَ في الجوِّ حائمُ
وقال رجالٌ: أنهب العام ماله
فقلتُ لهم: إني بذلك عالمُ
ولكنه يُعطي مِنَ امْوال طيِّئٍ
إذا جلف المالَ الحقوقُ اللوازمُ
فيُعطي التي فيها الغِنى وكأنَّه
لتَصْغيره تلك العطيَّةَ جارمُ
بذلك أوصاه عديٌّ وحَشْرجٌ
وسعدٌ وعبدالله، تلك القماقمُ

فقال له حاتم: إن كنتُ لأحب أن يأتيني مثلك من قومك، هذا مرباعي من الغارة على بني تميم، فخذه وافرًا، فإن وفى بالحَمالة، وإلا أكملتها لك، وهو مائتا بعير سوى بنيها وفصالها، مع أني لا أحب أن تُويِس قومك بأموالهم، فضحك أبو جبيل وقال: لكم ما أخذتم منا، ولنا ما أخذنا منكم، وأي بعير دفعته إليَّ ليس ذنبه في يد صاحبه فأنت منه بريء، فدفعها إليه وزاده مائة بعير، فأخذها وانصرف راجعًا إلى قومه، فقال حاتم في ذلك:
أتاني البُرْجُميُّ أبو جُبَيْل
لهمٍّ في حَمالتِه طويلِ
فقلتُ له: خذ المرباع رهوًا
فإني لستُ أرضى بالقليل
على حالٍ ولا عوَّدتُ نفسي
على علَّاتها عِلَلَ البخيلِ
فخُذْها إنها مائتا بعيرٍ
سوى النابِ الرذيَّةِ والفَصِيلِ
فلا مَنٌّ عليك بها فإني
رأيتُ المنَّ يُزري بالجَزيلِ
فآبَ البُرْجميُّ، وما عليه
مِنَ اعْباءِ الحَمالةِ مِن فَتيلِ
يجُرُّ الذيلَ ينفُضُ مِذْرَوْيه
خفيف الظَّهرِ مِن حملٍ ثقيلِ

وهذا فضلًا عن النكهة الواقعية التي تفعم النص كله مما يعضد اقتناعي بأن تلك الحكاية بما فيها من حوار وشعر صحيحة غير مفتعلة، ومن ثم أقبلها وأنا مطمئن إلى حد كبير.

ومثلهما في ذلك النص التالي، وهو من حوار دار بين قبيصة بن نعيم وامرئ القيس الشاعر والملك المشهور في مقتل والد الأخير: "قدم على امرئ القيس بن حجر الكندي بعد مقتل أبيه رجال من قبائل بني أسد، وفيهم قبيصة بن نعيم، يسألونه العفو عن دم أبيه، فخرج عليهم في قَباءٍ وخف وعمامة سوداء، وكانت العرب لا تعتم إلا في الترات (أي عند الثأر)"، فلما نظروا إليه قاموا له وبدر إليه قبيصة فقال: إنك في المحل والقدر والمعرفة بتصرف الدهر وما تحدثه أيامه وتنتقل به أحواله بحيث لا تحتاج إلى تذكير من واعظ ولا تبصير من مجرب، ولك من سؤدد منصبك وشرف أعراقك وكرم أصلك في العرب محتِدٌ يحتمل ما حُمل عليه من إقالة العثرة ورجوع عن الهفوة، ولا تتجاوز الهمم إلى غاية إلا رجعت إليك فوجدت عندك من فضيلة الرأي وبصيرة الفهم وكرم الصفح ما يطول رغباتها ويستغرق طلباتها، وقد كان الذي كان من الخطب الجليل الذي عمَّت رزيتُه نزارًا واليمن، ولم تخصص بذلك كندة دوننا، للشرف البارع كان لحجر: التاج والعمة فوق الجبين الكريم، وإخاء الحمد وطيب الشيم، ولو كان يُفدى هالك بالأنفس الباقية بعده لما بخلت كرائمنا بها على مثله، ولكنه مضى به سبيل لا يرجع أخراه على أولاه، ولا يلحق أقصاه أدناه، فأحمد الحالات في ذلك أن تعرف الواجب عليك في إحدى خلال ثلاث: إما أن اخترت من بني أسد أشرفها بيتًا وأعلاها في بناء المكرمات صوتًا، فقدناه إليك بنِسْعة تذهب مع شفرات حسامك بباقي قصرته، فنقول: رجل امتحن بهالك عزيز فلم يستل سخيمته إلا تمكينه من الانتقام، أو فداء بما يروح على بني أسد من نعمها، فهي ألوف تجاوز الحسبة، فكان ذلك فداء رجعت به القضب إلى أجفانها لم يرددها تسليط الإحن على البُرَآء، وإما أن وادعتنا إلى أن تضع الحوامل فتسدل الأزر، وتعقد الخمر فوق الرايات، فبكى امرؤ القيس ساعة ثم رفع رأسه فقال: لقد علمت العرب أنه لا كفء لحجر في دم، وأني لن أعتاض به جملًا ولا ناقة فأكتسب به سُبة الأبد، وفت العضد، وأما النظرة فقد أوجبتها الأجنة في بطون أمهاتها، ولن أكون لعطبها سببًا، وستعرفون طلائع كندة من بعد ذلك تحمل في القلوب حنقًا، وفوق الأسنة علقًا:
إذا جالت الحربُ في مأزقٍ ♦♦♦ تصافحُ فيه المنايا النفوسَا

أتقيمون أم تنصرفون؟ قالوا: بل ننصرف بأسوأ الاختيار، وأبلى الاجترار، بمكروه وأذية، وحرب وبلية، ثم نهضوا عنه، وقبيصة يتمثل:
لعلَّك أن تستوخِمَ الوِرْدَ إن غدَتْ ♦♦♦ كتائبُنا في مأزقِ الحرب تُمطِرُ

فقال امرؤ القيس: لا والله، ولكن أستعذبه، فرويدًا ينفرج لك دجاها عن فرسان كندة وكتائب حمير، ولقد كان ذِكرُ غير هذا بي أولى إذ كنت نازلًا بربعي، ولكنك قلت فأوجبت، فقال قبيصة: ما يُتوقَّع فوق قدر المعاتبة والإعتاب، فقال امرؤ القيس: هو ذاك".

وكذلك هذه الخطبة التي قالها عبدالمطلب بن هاشم جد النبي عليه السلام في حضرة سيف بن ذي يزن حين ذهب إليه وفد العرب يهنئونه بانتصاره على الأحباش وإخراجه إياهم من بلاده: "لما ظفر سيف بن ذي يزن بالحبشة أتته وفود العرب وأشرافها وشعراؤها تهنئه وتمدحه، ومنهم وفد قريش، وفيهم عبدالمطلب بن هاشم، فاستأذنه في الكلام، فأذن له، فقال: إن الله تعالى أيها الملك أحلك محلًّا رفيعًا، صعبًا منيعًا، باذخًا شامخًا، وأنبتك منبتًا طابت أَرُومته، وعزت جرثومته، وثبت أصله، وبسق فرعه، في أكرم معدن، وأطيب موطن، فأنت، أبيت اللعن، رأس العرب وربيعها الذي به تخصب، وملكها الذي به تنقاد، وعمودها الذي عليه العماد، ومعقلها الذي إليه يلجأ العباد، سلفك خير سلف، وأنت لنا بعدهم خير خلف، ولن يهلك من أنت خلفه، ولن يخمل من أنت سلفه، نحن، أيها الملك، أهل حرم الله وذمته، وسدنة بيته، أشخصنا إليك الذي أبهجك بكشف الكرب الذي فدحنا، فنحن وفد التهنئة لا وفد المرزئة".

ومثلها في ذلك خطبة أبي طالب عم النبي عندما ذهب معه لخِطبة خديجة بنت خويلد له، وهذا نصها: "خطب أبو طالب حين زواج النبي بالسيدة خديجة فقال: الحمد لله الذي جعلنا من زرع إبراهيم وذرية إسماعيل، وجعل لنا بلدًا حرامًا وبيتًا محجوجًا، وجعلنا الحكام على الناس، ثم إن محمد بن عبدالله ابن أخي من لا يُوازن به فتى من قريش إلا رجح عليه برًّا وفضلًا وكرمًا وعقلًا ومجدًا ونبلًا، وإن كان في المالِ قُلٌّ فإنما المال ظل زائل، وعارية مسترجعة، وله في خديجة بنت خويلد رغبة ولها فيه مثل ذلك، وما أحببتم من الصداق فعليَّ".

وهناك ضربٌ آخر من الخطب المنسوبة للعصر الجاهلي تثير نوعًا آخر من التساؤلات، وهي الخطب التي يقال: إن بعضًا من وجوه العرب ورؤسائهم قد ألقوها في قصر العاهل الكسروي بالمدائن وبمحضر منه، ودار الجدال بينه وبينهم حول المقارنة بين فضائل العرب وغيرهم من الأمم بما فيها فارس نفسها؛ إذ يتساءل الإنسان: هل من المعقول أن يجرؤ أولئك العرب، الذين لم تكن لهم في ذلك الحين دولة تحميهم من بطش كسرى إذا فكر في البطش بهم، على أن يتفاخروا في وجهه ذلك الفخر المجلجل الذي يرفع العرب فوق كل الأمم؟ ثم إن الرواية تذكر أن وفودًا من الصين والهند والروم كانت موجودة في ذلك الاجتماع تتبادل التفاخر والتباهي بأصولها وأعراقها، فهل كان هناك في تلك الأزمان ما يمكن ببساطة، ودون افتئات على حقائق الحوادث لو صح ما تقوله لنا الروايات، أن نسميه: "حوار القوميات" أو "حوار الحضارات"؟ ولكن فلنقرأ أولًا شيئًا من هذه الخطب وقصتها؛ حتى يكون الكلام عن بينة، تقول الرواية:
"قدم النعمان بن المنذر على كسرى، وعنده وفود الروم والهند والصين، فذكروا من ملوكهم وبلادهم، فافتخر النعمان بالعرب وفضلهم على جميع الأمم لا يستثني فارس ولا غيرها، فقال كسرى - وأخذته عزة الملك -: يا نعمان، لقد فكرت في أمر العرب وغيرهم من الأمم، ونظرت في حالة من يقدم عليَّ من وفود الأمم فوجدت للروم حظًّا في اجتماع ألفتها وعظم سلطانها وكثرة مدائنها ووثيق بنيانها وأن لها دينًا يبين حلالها وحرامها، ويرد سفيهها ويقيم جاهلها، ورأيت الهند نحوًا من ذلك في حكمتها وطبها مع كثرة أنهار بلادها وثمارها، وعجيب صناعتها وطيب أشجارها ودقيق حسابها وكثرة عددها، وكذلك الصين في اجتماعها وكثرة صناعات أيديها وفروسيتها وهمتها في آلة الحرب وصناعة الحديد وأن لها ملكًا يجمعها، والترك والخزر، على ما بهم من سوء الحال في المعاش وقلة الريف والثمار والحصون وما هو رأس عمارة الدنيا من المساكن والملابس، لهم ملوك تضم قواصيهم وتدبر أمرهم، ولم أرَ للعرب شيئًا من خصال الخير في أمر دين ولا دنيا ولا حزم ولا قوة، ومع أن مما يدل على مهانتها وذلها وصغر همتها محلتهم التي هم بها مع الوحوش النافرة والطير الحائرة، يقتلون أولادهم من الفاقة، ويأكل بعضهم بعضًا من الحاجة، قد خرجوا من مطاعم الدنيا وملابسها ومشاربها ولهوها ولذاتها، فأفضل طعام ظفر به ناعمهم لحوم الإبل التي يعافها كثير من السباع؛ لثقلها وسوء طعمها وخوف دائها، وإن قرى أحدهم ضيفًا (أي أطعمه) عدها مكرمة، وإن أطعم أكلة عدها غنيمة، تنطق بذلك أشعارهم وتفتخر بذلك رجالهم، ما خلا هذه التَّنُوخية التي أسس جدي اجتماعها وشد مملكتها ومنعها من عدوها، فجرى لها ذلك إلى يومنا هذا، وإن لها مع ذلك آثارًا ولبوسًا وقرى وحصونًا وأمورًا تشبه بعض أمور الناس، يعني اليمن، ثم لا أراكم تستكينون على ما بكم من الذلة والقلة والفاقة والبؤس حتى تفتخروا وتريدوا أن تنزلوا فوق مراتب الناس! قال النعمان: أصلح الله الملك، حق لأمةٍ الملكُ منها أن يسمو فضلها ويعظم خطبها وتعلو درجتها، إلا أن عندي جوابًا في كل ما نطق به الملك في غير رد عليه ولا تكذيب له، فإن أمنني من غضبه نطقت به، قال كسرى: قل، فأنت آمن.

قال النعمان: أما أمتك أيها الملك فليست تنازع في الفضل لموضعها الذي هي به من عقولها وأحلامها وبسطة محلها وبحبوحة عزها وما أكرمها الله به من ولاية آبائك وولايتك، وأما الأمم التي ذكرت فأي أمة تقرنها بالعرب إلا فضلتها؟ قال كسرى: بماذا؟ قال النعمان: بعزها ومنعتها وحسن وجوهها وبأسها وسخائها وحكمة ألسنتها وشدة عقولها وأنفتها ووفائها: فأما عزها ومنعتها فإنها لم تزل مجاورة لآبائك الذين دوخوا البلاد ووطدوا الملك وقادوا الجند، لم يطمع فيهم طامع، ولم ينلهم نائل، حصونهم ظهور خيلهم، ومهادهم الأرض، وسقوفهم السماء، وجُنَّتهم السيوف، وعدتهم الصبر؛ إذ غيرها من الأمم إنما عزها من الحجارة والطين وجزائر البحور، وأما حسن وجوهها وألوانها فقد يُعرف فضلهم في ذلك على غيرهم من الهند المنحرفة والصين المنحفة والروم والترك المشوهة المقشرة، وأما أنسابها وأحسابها فليست أمة من الأمم إلا وقد جهلت آباءها وأصولها وكثيرًا من أولها، حتى إن أحدهم ليسأل عمن وراء أبيه دنيًا (أي بعده مباشرة) فلا ينسبه ولا يعرفه، وليس أحد من العرب إلا يسمي آباءه أبًا فأبًا، حاطوا بذلك أحسابهم وحفظوا به أنسابهم، فلا يدخل رجل في غير قومه، ولا ينتسب إلى غير نسبه، ولا يُدعى إلى غير أبيه، وأما سخاؤها فإن أدناهم رجلًا الذي تكون عنده البكرة والناب عليها بلاغه في حموله وشبعه وريه فيطرقه الطارق الذي يكتفي بالفلذة ويجتزئ بالشربة فيعقرها له ويرضى أن يخرج عن دنياه كلها فيما يكسبه حسن الأحدوثة وطيب الذكر، وأما حكمة ألسنتهم فإن الله تعالى أعطاهم في أشعارهم ورونق كلامهم وحسنه ووزنه وقوافيه مع معرفتهم الأشياء وضربهم للأمثال وإبلاغهم في الصفات ما ليس لشيء من ألسنة الأجناس، ثم خيلُهم أفضل الخيل، ونساؤهم أعف النساء، ولباسهم أفضل اللباس، ومعادنهم الذهب والفضة، وحجارة جبالهم الجزع، ومطاياهم التي لا يبلغ على مثلها سفر، ولا يقطع بمثلها بلد قفر، وأما دينها وشريعتها فإنهم متمسكون به حتى يبلغ أحدهم من نسكه بدينه أن لهم أشهرًا حرمًا وبلدًا محرمًا وبيتًا محجوجًا ينسكون فيه مناسكهم ويذبحون فيه ذبائحهم فيلقى الرجل قاتل أبيه أو أخيه وهو قادر على أخذ ثأره وإدراك رغمه منه فيحجزه كرمه ويمنعه دينه عن تناوله بأذى، وأما وفاؤها فإن أحدهم يلحظ اللحظة ويومئ الإيماءة، فهي ولثٌ (أي عهد) وعقدة لا يحلها إلا خروج نفسه، وإن أحدهم يرفع عودًا من الأرض فيكون رهنًا بدينه فلا يغلق رهنه ولا تخفر ذمته، وإن أحدهم ليبلغه أن رجلًا استجار به، وعسى أن يكون نائيًا عن داره، فيصاب، فلا يرضى حتى يُفني تلك القبيلة التي أصابته، أو تفنى قبيلته لما أخفر من جواره، وإنه ليلجأ إليهم المجرم المحدِث من غير معرفة ولا قرابة فتكون أنفسهم دون نفسه، وأموالهم دون ماله، وأما قولك أيها الملك: "يئدون أولادهم" فإنما يفعله من يفعله منهم بالإناث؛ أنفةً من العار وغيرة من الأزواج، وأما قولك: إن أفضل طعامهم لحوم الإبل على ما وصفت منها، فما تركوا ما دونها إلا احتقارًا لها، فعمدوا إلى أجلها وأفضلها، فكانت مراكبهم وطعامهم مع أنها أكثر البهائم شحومًا وأطيبها لحومًا وأرقها ألبانًا وأقلها غائلة وأحلاها مضغة، وإنه لا شيء من اللحمان يعالج ما يعالج به لحمها إلا استبان فضلها عليه، وأما تحاربهم وأكل بعضهم بعضًا وتركهم الانقياد لرجل يسوسهم ويجمعهم فإنما يفعل ذلك من يفعله من الأمم إذا أنِسَتْ من نفسها ضعفًا وتخوفت نهوض عدوها إليها بالزحف، وإنه إنما يكون في المملكة العظيمة أهل بيت واحد يُعرف فضلهم على سائر غيرهم فيُلقون إليهم أمورهم وينقادون لهم بأزمَّتِهم، وأما العرب فإن ذلك كثير فيهم، حتى لقد حاولوا أن يكونوا ملوكًا أجمعين مع أنفتهم من أداء الخراج والوطث (أي الوطء) بالعسف، وأما اليمن التي وصفها الملك فإنما أتى جد الملك إليها الذي أتاه عند غلبة الجيش له على ملك متسق وأمر مجتمع فأتاه مسلوبًا طريدًا مستصرخًا، ولولا ما وتر به من يليه من العرب لمال إلى مجال، ولوجد من يجيد الطعان ويغضب للأحرار من غلبة العبيد الأشرار، فعجب كسرى لما أجابه النعمان به، وقال: إنك لأهل لموضعك من الرياسة في أهل إقليمك، ثم كساه من كسوته، وسرحه إلى موضعه من الحِيرة.

فلما قدم النعمان الحِيرة، وفي نفسه ما فيها مما سمع من كسرى من تنقص العرب وتهجين أمرهم، بعث إلى أكثم بن صيفي وحاجب بن زرارة التميميين وإلى الحارث بن عباد وقيس بن مسعود البكريين وإلى خالد بن جعفر وعلقمة بن علاثة وعامر بن الطفيل العامريين وإلى عمرو بن الشريد السلمي وعمرو بن معد يكرب الزبيدي والحارث بن ظالم المري، فلما قدموا عليه في الخورنق قال لهم: قد عرفتم هذه الأعاجم وقرب جوار العرب منها، وقد سمعت من كسرى مقالات تخوفت أن يكون لها غور، أو يكون إنما أظهرها لأمر أراد أن يتخذ به العرب خولًا (أي خدَّامًا) كبعض طماطمته (الطماطمة: الذين لا يحسنون الكلام) في تأديتهم الخراج إليه كما يفعل بملوك الأمم الذين حوله، فاقتص عليهم مقالات كسرى وما رد عليه، فقالوا: أيها الملك، وفقك الله! ما أحسن ما رددت، وأبلغ ما حججته به! فمرنا بأمرك وادعنا إلى ما شئت، قال: إنما أنا رجل منكم، وإنما ملكت وعززت بمكانكم وما يتخوف من ناحيتكم، وليس شيء أحب إليَّ مما سدد الله به أمركم وأصلح به شأنكم وأدام به عزكم، والرأي أن تسيروا بجماعتكم أيها الرهط وتنطلقوا إلى كسرى، فإذا دخلتم نطق كل رجل منكم بما حضره ليعلم أن العرب على غير ما ظن أو حدثته نفسه، ولا ينطق رجل منكم بما يغضبه؛ فإنه ملك عظيم السلطان كثير الأعوان مترف معجب بنفسه، ولا تنخزلوا له انخزال الخاضع الذليل، وليكن أمر بين ذلك تظهر به وثاقة حلومكم وفضل منزلتكم وعظيم أخطاركم، وليكن أول من يبدأ منكم بالكلام أكثم بن صيفي، ثم تتابعوا على الأمر من منازلكم التي وضعتكم بها، فإنما دعاني إلى التقدمة إليكم علمي بميل كل رجل منكم إلى التقدم قبل صاحبه، فلا يكوننَّ ذلك منكم فيجد في آدابكم مطعنًا؛ فإنه ملك مترف وقادر مسلط، ثم دعا لهم بما في خزائنه من طرائف حلل الملوك، كل رجل منهم حلة، وعممه عمامة، وختمه بياقوتة، وأمر لكل رجل منهم بنجيبة مهرية وفرس نجية، وكتب معهم كتابًا: أما بعد، فإن الملك ألقى إليَّ من أمر العرب ما قد علم، وأجبته بما قد فهم مما أحببت أن يكون منه على علم، ولا يتلجلج في نفسه أن أمة من الأمم التي احتجزت دونه بمملكتها وحمت ما يليها بفضل قوتها تبلغها في شيء من الأمور التي يتعزز بها ذوو الحزم والقوة والتدبير والمكيدة، وقد أوفدت، أيها الملك، رهطًا من العرب لهم فضل في أحسابهم وأنسابهم وعقولهم وآدابهم، فليسمع الملك وليغمض عن جفاء إن ظهر من منطقهم، وليكرمني بإكرامهم وتعجيل سراحهم، وقد نسبتهم في أسفل كتابي هذا إلى عشائرهم، فخرج القوم في أهبتهم حتى وقفوا بباب كسرى بالمدائن، فدفعوا إليه كتاب النعمان فقرأه وأمر بإنزالهم إلى أن يجلس لهم مجلسًا يسمع منهم، فلما أن كان بعد ذلك بأيام أمر مرازبته ووجوه أهل مملكته فحضروا وجلسوا على كراسيَّ عن يمينه وشماله، ثم دعا بهم على الولاء والمراتب التي وصفهم النعمان بها في كتابه، وأقام الترجمان ليؤدي إليه كلامهم ثم أذن لهم في الكلام.

فقام أكثم بن صيفي فقال: إن أفضل الأشياء أعاليها، وأعلى الرجال ملوكها، وأفضل الملوك أعمها نفعًا، وخير الأزمنة أخصبها، وأفضل الخطباء أصدقها، الصدق منجاة، والكذب مهواة، والشر لجاجة، والحزم مركبٌ صعب، والعجز مركب وطيء، آفة الرأي الهوى، والعجز مفتاح الفقر، وخير الأمور الصبر، حسن الظن ورطة، وسوء الظن عصمة، إصلاح فساد الرعية خير من إصلاح فساد الراعي، من فسدت بطانته كان كالغاص بالماء، شر البلاد بلاد لا أمير بها، شر الملوك من خافه البريء، المرء يعجز لا المحالة، أفضل الأولاد البررة، خير الأعوان من لم يُراءِ بالنصيحة، أحق الجنود بالنصر من حسنت سريرته، يكفيك من الزاد ما بلغك المحل، حسبك من شر سماعه، الصمت حُكمٌ، وقليل فاعله، البلاغة الإيجاز، من شدد نفر، ومن تراخى تألف، فتعجب كسرى من أكثم، ثم قال: ويحك يا أكثم! ما أحكمك وأوثق كلامك لولا وضعك كلامك في غير موضعه، قال أكثم: الصدق ينبئ عنك لا الوعيد، قال كسرى: لو لم يكن للعرب غيرك لكفى، قال أكثم: رب قول أنفَذ من صول.

ثم قام حاجب بن زرارة التميمي فقال: وَرِيَ زندك، وعلت يدك، وهِيب سلطانك، إن العرب أمة قد غلظت أكبادها واستحصدت مِرَّتها ومنعت درتها، وهي لك وامقة ما تألفتها، مسترسلة ما لاينتها، سامعة ما سامحتها، وهي العلقم مرارة، والصاب غضاضة، والعسل حلاوة، والماء الزلال سلاسة، نحن وفودها إليك، وألسنتها لديك، ذمتنا محفوظة، وأحسابنا ممنوعة، وعشائرنا فينا سامعة مطيعة، إن نؤب لك حامدين خيرًا فلك بذلك عموم محمدتنا، وإن نذم لم نخص بالذم دونها، قال كسرى: يا حاجب، ما أشبه حجر التلال بألوان صخرها! قال حاجب: بل زئير الأسد بصولتها، قال كسرى: وذلك.

ثم قام الحارث بن عباد البكري فقال: دامت لك المملكة باستكمال جزيل حظها وعلو سنائها، من طال رشاؤه كثر متحه، ومن ذهب ماله قل منحه، تناقل الأقاويل يعرِّف اللب، وهذا مقام سيوجف بما ينطق به الركب وتعرف به كُنْهَ حالنا العجم والعرب، ونحن جيرانك الأدنون، وأعوانك المعينون، خيولنا جمة، وجيوشنا فخمة، إن استنجدتنا فغير ربض، وإن استطرقتنا فغير جهض، وإن طلبتنا فغير غمض، لا ننثني لذعر، ولا نتنكر لدهر، رماحنا طوال، وأعمارنا قصار، قال كسرى: أنفس عزيزة، وأمة ضعيفة، قال الحارث: أيها الملك، وأنى يكون لضعيف عزة، أو لصغير مرة؟ قال كسرى: لو قصر عمرك لم تستولِ على لسانك نفسك، قال الحارث: أيها الملك، إن الفارس إذا حمل نفسه على الكتيبة مغررًا بنفسه على الموت فهي منيَّة استقبلها، وجنان استدبرها، والعرب تعلم أني أبعث الحرب قدمًا، وأحبسها وهي تَصَرَّفُ بها، حتى إذا جاشت نارها وسعرت لظاها وكشفت عن ساقها جعلت مقادها رمحي، وبرقها سيفي، ورعدها زئيري، ولم أقصر عن خوض خضخاضها حتى أنغمس في غمرات لججها، وأكون فلكًا لفرساني إلى بحبوحة كبشها فأستمطرها دمًا، وأترك حماتها جزر السباع وكل نسر قشعم (أي: أقتلهم وأتركهم للسباع والنسور تنهش جثثهم)، ثم قال كسرى لمن حضره من العرب: أكذلك هو؟ قالوا: فعالُه أنطق من لسانه، قال كسرى: ما رأيت كاليوم وفدًا أحشد، ولا شهودًا أوفد.

ثم قام عمرو بن الرشيد السلمي فقال: أيها الملك، نَعِمَ بالك، ودام في السرور حالك، إن عاقبة الكلام متدبرة، وأشكال الأمور معتبرة، وفي كثيرٍ ثِقْلة، وفي قليل بُلْغة، وفي الملوك سورة العز، وهذا منطق له ما بعده، شرف فيه مَن شرف، وخمل فيه من خمل، لم نأتِ لضيمك، ولم نَفِدْ لسخطك، ولم نتعرض لرِفدك (أي عطائك)، إن في أموالنا منتقدًا، وعلى عزنا معتمدًا، إن أورينا نارًا أثقبنا، وإن أَوِدَ دهر بنا اعتدلنا، إلا أنا مع هذا لجوارك حافظون، ولمن رامك كافحون، حتى يحمد الصدَر، ويستطاب الخبر، قال كسرى: ما يقوم قصد منطقك بإفراطك، ولا مدحك بذمك، قال عمرو: كفى بقليل قصدي هاديًا، وبأيسر إفراطي مخبرًا، ولم يلم مَن غرَبت نفسه عما يعلم، ورضي من القصد بما بلغ، قال كسرى: ما كل ما يعرف المرء ينطق به، اجلس.

ثم قام خالد بن جعفر الكلابي فقال: أحضر الله الملك إسعادًا، وأرشده إرشادًا، إن لكل منطق فرصة، ولكل حاجة غصة، وعي المنطق أشد من عي السكوت، وعثار القول أنكأ من عثار الوعث، وما فرصة المنطق عندنا إلا بما نهوى، وغصة المنطق بما لا نهوى غير مستساغة، وتركي ما أعلم من نفسي ويعلم من سمعني أني له مطيق أحب إليَّ من تكلفي ما أتخوف ويتخوف مني، وقد أوفدنا إليك ملكنا النعمان، وهو لك من خير الأعوان، ونعم حامل المعروف والإحسان، أنفسنا بالطاعة لك باخعة، ورقابنا بالنصيحة خاضعة، وأيدينا لك بالوفاء رهينة، قال له كسرى: نطقتَ بعقل، وسموتَ بفضل، وعلوت بنُبْل.

ثم قام علقمة بن علاثة العامري فقال: نهجت لك سبل الرشاد، وخضعت لك رقاب العباد، إن للأقاويل مناهج، وللآراء موالج، وللعويص مخارج، وخير القول أصدقه، وأفضل الطلب أنجحه، إنا، وإن كانت المحبة أحضرتنا والوفادة قربتنا، فليس مَن حضرك منا بأفضل ممن عزب عنك، بل لو قِست كل رجل منهم وعلمت منهم ما علمنا لوجدت له في آبائه ذنيًا أندادًا وأكفاءً، كلهم إلى الفضل منسوب، وبالشرف والسؤدد موصوف، وبالرأي الفاضل والأدب النافذ معروف، يحمي حماه، ويُروي نداماه، ويذود أعداه، لا تخمد ناره، ولا يحترز منه جاره، أيها الملك، من يبلُ العرب يعرف فضلهم، فاصطنع العرب؛ فإنها الجبال الرواسي عزًّا، والبحور الزواخر طميًا، والنجوم الزواهر شرفًا، والحصى عددًا، فإن تعرف لهم فضلهم يعزوك، وإن تستصرخهم لا يخذلوك، قال كسرى - وخشي أن يأتي منه كلام يحمله على السخط عليه -: حسبك! أبلغتَ وأحسنت!

ثم قام قيس بن مسعود الشيباني فقال: أطاب الله بك المراشد، وجنبك المصائب، ووقاك مكروه الشصائب (الشدائد)، ما أحقنا، إذ أتيناك، بإسماعك ما لا يحنق صدرك، ولا يزرع لنا حقدًا في قلبك! لم نقدَمْ أيها الملك لمساماة، ولم ننتسب لمعاداة، ولكن لتعلم أنت ورعيتك ومن حضرك من وفود الأمم أنا في المنطق غير محجمين، وفي الناس غير مقصرين، إن جورينا فغير مسبوقين، وإن سومينا فغير مغلوبين، قال كسرى: غير أنكم إذا عاهدتم غير وافين (وهو يعرض به في تركه الوفاء بضمانه السواد)، قال قيس: أيها الملك، ما كنتُ في ذلك إلا كوافٍ غُدر به، أو كخافر أخفر بذمته، قال كسرى: ما يكون لضعيف ضمان، ولا لذليل خفارة، قال قيس: أيها الملك، ما أنا فيما أخفر من ذمتي أحق بإلزامي العار منك فيما قتل من رعيتك، وانتهك من حرمتك، قال كسرى: ذلك لأن من ائتمن الخانة (رأى الخونة)، واستنجد الأثمة، ناله من الخطأ ما نالني، وليس كل الناس سواء، كيف رأيت حاجب بن زرارة؟ لِمَ يُحكم قواه فيبرم، ويعهد فيوفي، ويعِد فينجز؟ قال: وما أحقه بذلك! وما رأيته إلا لي، قال كسرى: القوم بُزُلٌ (البازل: الناقة المسنة)، فأفضلها أشدها.

ثم قام عامر بن الطفيل العامري فقال: كثر فنون المنطق، ولبس القول أعمى من حندس الظلماء، وإنما الفخر في الفعال، والعجز في النجدة، والسؤدد مطاوعة القدرة، وما أعلمك بقدرنا، وأبصرك بفضلنا، وبالحري إن أدالت الأيام، ثابت الأحلام، أن تحدث لنا أمورًا لها أعلام، قال كسرى: وما تلك الأعلام؟ قال: مجتمع الأحياء من ربيعة ومضر، على أمرٍ يُذكر، قال كسرى: وما الأمر الذي يُذكر؟ قال: ما لي علمٌ بأكثر مما أخبرني به مخبر، قال كسرى: متى تكاهنت يا بن الطفيل؟ قال: لست بكاهن، ولكني بالرمح طاعن، قال كسرى: فإن أتاك آتٍ من جهة عينك العوراء، ما أنت صانع؟ قال: ما هيبتي في قفاي بدون هيبتي في وجهي، وما أذهب عيني عبث، ولكن مطاوعة العبث.

ثم قام عمرو بن معد يكرب الزبيدي فقال: إنما المرء بأصغريه: قلبه ولسانه، فبلاغ المنطق الصواب، وملاك النجعة الارتياد، وعفو الرأي خير من استكراه الفكرة، وتوقيف الخبرة خير من اعتساف الحيرة، فاجتبذ (اجتذب) طاعتنا بلفظك، واكتظم بادرتنا بحِلمك، وألن لنا كنفك يسلس لك قيادنا؛ فإنا أناس لم يوقس صفاتنا (أي لم يخدش صخرتنا)، قراع مناقير من أراد لنا قضمًا، ولكن منعنا حمانا من كل مَن رام لنا هضمًا.

ثم قام الحارث بن ظالم المري فقال: إن من آفة المنطق الكذب، ومن لؤم الأخلاق الملَق، ومِن خطل الرأي خفة الملك المسلط، فإن أعلمناك أن مواجهتنا لك عن الائتلاف، وانقيادنا لك عن تصاف، فما أنت لقبول لك منا بخليق، ولا للاعتماد عليه بحقيق، ولكن الوفاء بالعهود، وإحكام ولث العقود، والأمر بيننا وبينك معتدل، ما لم يأتِ من قبلك ميل أو زلل، قال كسرى: من أنت؟ قال: الحارث بن ظالم، قال: إن في أسماء آبائك لدليلًا على قلة وفائك وأن تكون أولى بالغدر، وأقرب من الوزر، قال الحارث: إن في الحق مغضبة، والسرو التغافل، ولن يستوجب أحد الحِلم إلا مع القدرة، فلتُشْبه أفعالك مجلسك، قال كسرى: هذا فتى القوم.

ثم قال كسرى: قد فهمت ما نطقت به خطباؤكم، وتفنن فيه متكلموكم، ولولا أني أعلم أن الأدب لم يثقف أودكم ولم يحكم أمركم وأنه ليس لكم ملك يجمعكم فتنطقون عنده منطق الرعية الخاضعة الباخعة فنطقتم بما استولى على ألسنتكم وغلب على طباعكم لم أُجز لكم كثيرًا مما تكلمتم به، وإني لأكره أن أجبه وفودي أو أحنق صدورهم، والذي أحب هو إصلاح مدبركم وتألف شواذكم والإعذار إلى الله فيما بيني وبينكم، وقد قبلت ما كان في منطقكم من صواب، وصفحت عما كان فيه من خلل، فانصرفوا إلى ملككم، فأحسنوا مؤازرته، والتزموا طاعته، واردعوا سفهاءكم، وأقيموا أودهم، وأحسنوا أدبهم؛ فإن في ذلك صلاح العامة".

وأول شيء يلفت النظر هو: كيف استطاع النعمان أن يجمع هؤلاء الرجال من كل أرجاء بلاد العرب، وهو الذي لم يكن له سلطان إلا على منطقة الحِيرة في شمال شرق الجزيرة العربية؟ وكيف ورد في كلامه مصطلحا "الوزن والقافية" الشعري، وهما لفظان لم تكن العرب تعرفهما في ذلك المعنى آنذاك؟ ثم إن خطبة أكثم بن صيفي ليست في الواقع خطبة، بل مجموعة من الأمثال التي تنسب إليه وصل بعضها ببعض وصلًا متعسفًا؛ إذ ليس لها محور واحد تدور عليه، بل كلمة من الشرق، وكلمة من الغرب، وإن كنا لا نقلل من قيمة كل كلمة في حد ذاتها، لكننا نستغرب أن تكون هذه هي الخطبة التي انتدب النعمان بن المنذر أكثم لإلقائها في حضرة كسرى تنبيهًا له على فضل أمة العرب، على حين لا علاقة بينها وبين هذا الموضوع بتاتًا، كما وردت في الخطبة عبارة لم يعرفها العرب، فيما نتصور، إلا عندما تقدمت العلوم عندهم ونشأ علم البلاغة وحاول النقاد تقنين الكلام البليغ، ألا وهي عبارة "البلاغة الإيجاز"، كذلك هناك كلمة "شريعة" التي استعملها النعمان للإشارة إلى أحكام الوثنية، والسؤال هو: أكان العرب يستعملون هذه الكلمة فيما أصبحت تستعمل له بعد الإسلام؟ وهل كان العرب أصلًا يسمون ما هم عليه من تقاليد جاهلية: "شريعة"؟ لقد بحثت في "الموسوعة الشعرية" الضوئية عن شواهد في الشعر الجاهلي لهذه الكلمة فلم أجد إلا بيتًا واحدًا لا علاقة له البتة بهذا المعنى، ثم هل تواتي نفس أي عربي في محضر كسرى أن يدعو الفرس بـ: "الأعاجم" مثلما فعل الحارث بن عباد البكري، وهي كلمة مسيئة في حقهم كما نعرف؛ إذ تسوي بينهم وبين العجماوات؟

وبالمثل، هل من السهل قبول ما جاء في القصة من أن عمرو بن الشريد قد جبه ملك الفرس بهذا الكلام الجافي الذي يحمل من التحدي الساطع ما يحمل: "لم نأتِ لضيمك، ولم نفد لسخطك، ولم نتعرض لرفدك، إن في أموالنا منتقدًا، وعلى عزنا معتمدًا؟ أو أن يقرع الحارث بن ظالم المري كسرى بهذه الكلمات التي تنصحه بالارتفاع إلى مستوى السلوك اللائق بالملوك: "إن في الحق مغضبة، والسَّرْو التغافل، ولن يستوجب أحد الحِلم إلا مع القدرة، فلتُشبه أفعالك مجلسك"؟ أو أن يهدده عامر بن الطفيل بما لوح له به من إمكان انتقاض العرب عليه وحربهم إياه حتى ليغضب كسرى مما قال، بينما هو غير مبالٍ، وكأنه لم يقل شيئًا؟ وإن خفف من ذلك تنبيه النعمان للعاهل الفارسي منذ البداية إلى خشونة رسله وتعليق كسرى في النهاية بأنه إنما يصفح عما في كلامهم من جفاء وخشونة لِما يعلمه عنهم من قلة خبرتهم بمخاطبة الملوك، وبالمناسبة فخطب أشراف العرب في قصتنا هذه قد صُبت في لغة أقرب إلى الترسل منها إلى السجع، وهذا هو الأقرب أن يكون في مثل ذلك الموقف وتلك الظروف، وفي نهاية التحليل نقول: إنه ليغلِب على الظن أن يكون لهذه القصة أصل تاريخي وأنها قد وصلت المدونين في العصر العباسي في خطوطها العامة ثم توسع فيها الرواة فيما بعد، فأضافوا إليها كثيرًا من التفاصيل، وجهدوا أن يردوا، من خلال ما أضافوه، على ما كان الشعوبيون يتنقصون به العرب في العصر العباسي ويقللون من شأنهم؛ لفتحهم بلادهم وبسطهم سلطانهم عليهم، ولا شك أن إشارة القصة في بدايتها إلى وجود الترجمان في تلك المناسبة لتشكل لمسة واقعية تزيد مصداقيتها، كما أن ذكر القصة لمعايب العرب وبعض من اشتركوا في هذا الموقف من خطباء هو مما يعضد الاقتناع بأنها قد وقعت فعلًا على نحوٍ من الأنحاء.

على أن ثمة نصوصًا أخرى من الخطب والأحاديث يغلِب عليها التكلف في هندسة العبارة والاستقصاء في المعنى والتشقيق في التفاصيل بحيث لا يكاد المتكلم يترك شاردة ولا واردة دون أن يذكرها، مما يجعلنا لا نثق في جاهليتها، كوصف عصام الكندية لأم إياس بنت عوف بن محلم الشيباني في النص التالي: "لما بلغ الحارثَ بن عمرو ملك كندة جمالُ أم إياس بنت عوف بن محلم الشيباني وكمالها وقوة عقلها أراد أن يتزوجها، فدعا امرأة من كندة يقال لها: عصام، ذات عقل ولسان وأدب وبيان، وقال لها: اذهبي حتى تعلمي لي علم ابنة عوف، فمضت حتى انتهت إلى أمها أمامة بنت الحارث فأعلمتها ما قدمت له، فأرسلت أمامة إلى ابنتها وقالت: أي بنية، هذه خالتك أتت إليك لتنظر إلى بعض شأنك، فلا تستري عنها شيئًا أرادت النظر إليه من وجه وخُلق، وناطقيها فيما استنطقتك فيه، فدخلت عصام عليها فنظرت إلى ما لم ترَ عينها مثله قط بهجة وحسنًا وجمالًا، فإذا هي أكمل الناس عقلًا، وأفصحهم لسانًا، فخرجت من عندها وهي تقول: ترك الخداع من كشف القناع، فذهبت مثلًا، ثم أقبلت إلى الحارث فقال له: ما وراءكِ يا عصام؟ فأرسلها مثلًا، قالت: صرَّح المَخْضُ عن الزبد، فذهبت مثلًا، قال: أخبريني، قالت: أخبرك صدقًا وحقًّا...." (إلخ...).

إن هذا لبكتابة تقرير فني في مسابقات العَهْر (التي يسمونها زورًا بـ: "مسابقات ملكات الجمال") يضع نصب عينيه تقديم وصف تفصيلي لكل ملمح أو عضو من أعضاء الفتاة المشتركة في تلك المسابقات أشبه منه بحديث خاطبة إلى ملك من ملوك العرب في تلك العصور، وبخاصة أن الوصف لم ينتزه عن تناول أشد مناطق الجسد حساسية، مما من شأنه إثارة غيرة الرجل الكريم حتى لو كان المقصود هو البحث له عن زوجة تمتعه وتسره! وفضلًا عن ذلك فإني لا أظن أن امرأة عربية في تلك العصور كانت ترضى بأن تتجرد من ملابسها وتذهب فتستعرض مفاتنها الداخلية على هذا النحو ولا حتى أمام أمها! والطريف أنه، بعد كل ما قالته المرأة الكندية في وصف جمال الفتاة، تعود فتقول: "فأما ما سوى ذلك فتركت أن أصفه، غير أنه أحسن ما وصفه واصف بنظم أو نثر"، فهل تراها تركت شيئًا لم تصفه مما يحتاج الرجل معرفته عن المرأة التي يبغي خطبتها؟ ثم إن مقدمة النص تقول: إن "الحارث بن عمرو ملك كمندة قد بلغه جمال أم إياس بنت عوف بن محلم الشيباني وكمالها وقوة عقلها"؛ أي إنه كان على علم بجمالها وكمالها، فما معنى كل هذا الوصف الدقيق المفصل الذي لا يدل إلا على شيء واحد: أنه لم يكن يعرف عن الفتاة شيئًا؟ وإلى جانب هذا لا ينبغي أن ننسى أن تعبيرات مثل "خلف ذلك ظهر كالجدول ينتهي إلى خصر، لولا رحمة الله لانبتر"، "فتبارك الله مع صغرهما، كيف تطيقان حمل ما فوقهما؟" لا تصدر غالبًا إلا عن مسلم في العصر العباسي فنازلًا، حين كان الأدباء يستخدمون مثل هذه العبارات الماجنة التي يُوهم ظاهرها بالتدين رغم ذلك، وهو مجون تشفُّ عنه العبارة التالية بدورها أحسن شف: "تحته كفل يقعدها إذا نهضت، وينهضها إذا قعدت"، فضلًا عما فيها من ترف في تذوق الجمال النسائي لم يكن يعرفه الجاهليون، إلى جانب التلاعب البديعي المعقد الذي لم يكن لهم به عهد؛ إذ فيها موازنة ومقابلة وسجع وتورية وردٌّ للأعجاز على الصدور في وقت معًا، وهناك أيضًا المقابلة بين "النظم والنثر" في الجملة التالية التي وردت قرب نهاية النص: "غير أنه أحسن ما وصفه واصف بنظم أو نثر" بما يدل على الشمول مما لم يكن الجاهليون يعرفونه في تعبيراتهم، بل إنني لا أظنهم كانوا يستخدمون هاتين الكلمتين بالمعنى الاصطلاحي الذي عُرفتا به في دنيا الأدب والنقد فيما بعد!

كذلك من حق الباحث أن يتساءل فيما يخص هذه القصة ذاتها في مرحلتها اللاحقة قائلًا: أمن المعقول أن أمًّا من الأمهات حين تريد أن تنصح بنتها في ليلة زفافها تلجأ إلى مثل هذه العبارات المسجوعة المجنَّسة المتوازنة (رغم ما في السجع والجناس والتوازن هنا من بساطة)، كما في النص التالي الذي تخاطب فيه أمامة بنت الحارث بنتها أم إياس التي مر بنا آنفًا وصف عصام الكندية العجيب لها؟: "أي بنية، إن الوصية لو تركت لفضل أدب تركت لذلك منك، ولكنها تذكرة للغافل، ومعونة للعاقل، ولو أن امرأة استغنت عن الزوج لغنى أبويها وشدة حاجتهما إليها كنت أغنى الناس عنه، ولكن النساء للرجال خُلقن، ولهن خلق الرجال، أي بنية، إنك فارقت الجو الذي منه خرجت، وخلَّفت العش الذي فيه درجت، إلى وكر لم تعرفيه، وقرين لم تألفيه، فأصبح بملكه عليك رقيبًا ومليكًا، فكوني له أمة يكن لك عبدًا وشيكًا، يا بُنية، احملي عني عشر خصال تكن لك ذخرًا وذكرًا: الصحبة بالقناعة، والمعاشرة بحسن السمع والطاعة، والتعهد لموقع عينه، والتفقد موضع أنفه، فلا تقع عينه منك على قبيح، ولا يشَمُّ منك إلا أطيب ريح، والكحل أحسن الحسن، والماء أطيب الطيب المفقود، والتعهد لوقت طعامه، والهُدُو عنه عند منامه؛ فإن حرارة الجوع ملهبة، وتنغيص النوم مغضبة، والاحتفاظ ببيته وماله، والإرعاء على نفسه وحشمه وعياله؛ فإن الاحتفاظ بالمال حسن التقدير، والإرعاء على العيال والحشم جميل حسن التدبير، ولا تفشي له سرًّا، ولا تعصي له أمرًا؛ فإنك إن أفشيت سره لم تأمني غدره، وإن عصيت أمره أوغرت صدره، ثم اتقي مع ذلك الفرح إن كان ترحًا، والاكتئاب عنده إن كان فرحًا؛ فإن الخصلة الأولى من التقصير، والثانية من التكدير، وكوني أشد ما تكونين له إعظامًا، يكن أشد ما يكون لك إكرامًا، وأشد ما تكونين له موافقة، يكن أطول ما تكونين له مرافقة، واعلمي أنك لا تصلين إلى ما تحبين حتى تؤثري رضاه على رضاك، وهواه على هواك، فيما أحببت وكرهت، والله يخير لك"، لا أظن أن الأم، حتى لو كانت أديبة، يمكن أن تنهج في حديثها الشفوي المباشر مع ابنتها هذا النهج، بخلاف ما لو قصدت أن تخلف وراءها عملًا من الأعمال الأدبية التي تبقى على مدى الزمان، فإنها حينئذ تحتشد لذلك وتجتهد في كتابة نصيحة محبرة موشاة لبنتها ولكل بنات العالمين، وكذلك للقراء والأدباء أيضًا، على مدار الدهر، لكن هذا شيء آخر غير ما نحن بسبيله الآن، أم ترى هناك من يقول معترضًا: ومن أدراك بأن تلك الأم لم ترد ذلك ولم تفعله، وبخاصة أننا هنا إزاء ملك وزوجته وحماته لا ناس من عرض الطريق؟ على كل حال، فإني معجب إعجابًا شديدًا بكلام الأم، وأجده يرن في سمعي رنين الذهب، ويهش قلبي إليه هشاش الأرض العطشى لوابل الغيث المحيي!

والواقع أن انشغالي بمسألة بروز السجع والجناس وما إليه في كثير من خطب الجاهليين سببه افتقادي لذلك في نظيراتها من خطب الرسول والخلفاء الراشدين، اللهم إلا ما جاء عفوًا بين الحين والحين، فلماذا كان كثير من الخُطب التي وردتنا عن عصر ما قبل الإسلام على هذا النحو من الاهتمام بالسجع والجناس والتوازن بخلاف ما عليه الخطب في صدر الإسلام بوجه عام، فضلًا عن أن السجع والمحسنات البديعية فيها كانت، كما يُفهم من الرواية، أمرًا ارتجاليًّا؟ فهل يستطيع الخطباء، وبالذات في ذلك العصر قبل أن يلتفت العرب إلى هذه التزاويق ويصبح الحرص عليها جزءًا من التركيبة الذهنية الإبداعية عندهم، أن يرتجلوا كلامًا محسنًا بالبديع على هذا النحو الذي نراه في عدد من الخطب الجاهلية؟ هذه هي النقطة التي تحيك في صدري بالنسبة لصحة نصوص الخطب الجاهلية، أما ما سوى ذلك من ملاحظات فما أسهل التعامل معها والخروج منها بالنتائج التي يؤدي إليها المنطق كما رأينا فيما مر، أيكون المسلمون الأوائل قد نفروا من الجري خلف السجع بسبب ارتباطه بالكهان؟ أتراهم كانوا يُلقون بكل ثقلهم وراء المضمون والوصول به إلى الإقناع وتحويله إلى واقع تطبيقي بدلًا من المتعة الفنية المتمثلة هنا في البديع في حد ذاتها؛ إذ كانوا بصدد تكوين دولة تضم العرب جميعًا لأول مرة في تاريخهم المعروف، ثم بصدد صراع ضارٍ مع القوى العالمية الكبرى حولهم، صراع حياة أو موت، فلم يكن لديهم الوقت ولا البال للاهتمام بالسجع والمحسنات البديعية؟ أترى الجاهليين، وهم الأميون، كانوا يعولون على موسيقا السجع والجناس والتوازن لتسهيل حفظ النصوص النثرية كالخطب والمنافرات؟ مرة أخرى أجدني أقول: هذه هي النقطة التي تحيك في صدري بالنسبة لصحة نصوص الخطب الجاهلية، أما ما سوى ذلك من ملاحظات فما أسهل التعامل معها والخروج منها بالنتائج التي يؤدي إليها المنطق كما رأينا فيما مر، ومع ذلك فها هو ذا الجاحظ يقرر أن العرب في جاهليتهم كانوا يعتمدون السجع في بعض ضروب الخطابة؛ كالمنافرة والمفاخرة، والترسل في بعضها الآخر؛ كما هو الحال في خطب الصلح والمعاهدات؛ (الجاحظ/ البيان والتبيين/ مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر/1/289 - 290، و3/6)، وهو ما يدل على أنه لا يجد فيها شيئًا مما يحيك في صدري تجاه هذه المسألة، وأحسب أن موقف الجاحظ أحرى بالقبول من موقفي؛ لأنه كان أعرف بالأدب العربي قبل الإسلام من واحد مثلي؛ لقربه من عصر الجاهلية ومعرفته الموسوعية بالثقافة العربية وآدابها، كما هو معلوم للجميع، فوق أنه كان أديبًا كبيرًا، وبلاغيًّا عجيبًا، وناقدًا ذواقة للكلام، ودارسًا ومحللًا للنصوص والأساليب من الطراز الأول، ومتكلمًا يصعب أن يوجد له نظيرٌ مسامت.

هذا، وقد وردَتْنا عن الجاهليين ضروب من الخطب المختلفة الموضوعات، صحيحة كانت أو مصنوعة: فمنها الخطب الوعظية؛ كخُطَب قُس بن ساعدة الإيادي في سوق عكاظ، وخطب الصلح بين المتخاصمين؛ كخطبة مرثد الخير في الإصلاح بين سبيع بن الحارث وميثم بن مثوب، ومنها خطب التعزية؛ كتلك التي عزَّت بها وفود العرب سلامة ذا فائش في موت ابنه، وكان من بين المتكلمين يومها الملبب بن عوف وجعادة بن أفلح، وكذلك خطبة أكثم بن صيفي في تعزية عمرو بن هند في ابن أخيه، ثم خطب النكاح؛ كالخِطبة التي ألقاها أبو طالب في خِطبة خديجة لمحمد ابن أخيه، وتلك التي قالها عامر بن الظرب حين خطبت ابنته، ومنها خطب المنافرات؛ كتلك التي تُبودلت بين علقمة بن علاثة وعامر بن الطفيل العامريين، ومنها خطب السفارات؛ كما هو الحال في مجموعة الخطب التي خطبها بعض رؤساء العرب في حضرة كسرى في إيوانه، ومنها خطب الكهَّان والكواهن التي يتنبؤون فيها بالغيب حسبما كانوا يعتقدون، ومنها خطب الوصايا؛ كتلك الخطبة التي ألقاها ذو الإصبع العدواني على ابنه، ونظيرتها التي ألقاها قيس بن زهير على بني النمر بني قاسط، وكذلك الخطبة الرائعة التي يقال: إن أمامة بنت الحارث قد وصَّت بها ابنتها أم إياس عند زفافها على الحارث بن عمرو ملك كندة... إلخ، وكان العرب يخطبون في الأسواق والمجالس والقصور الملكية وعند الكعبة وعلى نشَز من الأرض وفي الحرب، كما كانوا يخطبون وقوفًا، وعلى الرواحل، أو مسندين ظهورهم إلى الكعبة... وهكذا، وكان من عادتهم في الخطابة، كما ألمعنا من قبل، لُبس العمامة والإمساك بالعصا، تلك العادة التي عمل الشعوبيون على التنقص منها والإزراء على العرب بسببها، فتصدى لهم الجاحظ مبينًا فضل العصا في صفحات طويلة انثال عليه الكلام فيه انثيالًا في كتابه: "البيان والتبيين"، وقد مر بنا أثناء دراستنا لهذا الفن عند الجاهليين طائفة من مشاهير خطبائهم، وهذه أسماء طائفة أخرى منهم: سهيل بن عمرو وعتبة بن ربيعة وقيس بن الشماس وسعد بن الربيع وهانئ بن قبيصة وزهير بن جناب وربيعة بن حُذار ولبيد بن ربيعة وهرم بن قطبة الفزاري وعمرو بن كلثوم التغلبي وحنظلة بن ضرار الضبِّي.

والآن أترك القارئ مع هذه النصوص الخطابية التي وصلتنا عن ذلك العصر: فمنها خطبة مرثد الخير التي سلفت الإشارة إليها آنفًا، وهذا نصها: "إن التخبط وامتطاء الهجاج (أي العناد وركوب الرأس)، واستحقاب اللجاج، سيقفكما على شفا هوة في تورُّدها بوار الأصيلة، وانقطاع الوسيلة، فتلافيا أمركما قبل انتكاث العهد، وانحلال العقد، وتشتت الألفة، وتباين السهمة (أي القرابة)، وأنتما في فسحة رافهة، وقدم واطدة، والمودة مثرية، والبقيا معرضة، فقد عرفتم أنباء من كان قبلكم من العرب ممن عصى النصيح، وخالف الرشيد، وأصغى إلى التقاطع، ورأيتم ما آلت إليه عواقب سوء سعيهم، وكيف كان صُبُور أمورهم، فتلافوا القرحة قبل تفاقم الثأي (أي قبل انتشار الفساد) واستفحال الداء، وإعواز الدواء، فإنه إذا سفكت الدماء، استحكمت الشحناء، وإذا استحكمت الشحناء، تقضبت عرى الغبقاء، وشمل البلاء".

ومنها خطبة قُسِّ بن ساعدة الإيادي في سوق عكاظ يلفت أنظار السامعين إلى صروف الدهر وما ينبغي أن يعتبر به العاقل: "أيها الناس، اسمعوا وَعُوا: من عاش مات، ومن مات فات، وكل ما هو آتٍ آت، ليل داج، ونهار ساج، وسماء ذات أبراج، ونجوم تزهر، وبحار تزخر، وجبال مرساة، وأرض مدحاة، وأنهار مجراة، إن في السماء لخبرًا، وإن في الأرض لعبرًا، ما بال الناس يذهبون ولا يرجعون؟ أرضُوا فأقاموا أم تركوا فناموا؟ يقسم قسٌّ بالله قسمًا لا إثم فيه، إن لله دينًا هو أرضى له وأفصل من دينكم الذي أنتم عليه، إنكم لتأتون من الأمر منكرًا"، ويروى أن قسًّا أنشأ بعد ذلك يقول:
في الذَّاهبينَ الأوَّلي
نَ مِن القرونِ لنا بصائِرْ
لمَّا رأَيْتُ مواردًا
للموتِ ليس لها مصادِرْ
ورأَيْتُ قومي نحوَها
تَمْضي الأكابرُ والأصاغِرْ
لا يرجِعُ الماضي إليْ
يَ ولا مِن الباقينَ غابِرْ
أيقنتُ أني لا محا
لةَ حيثُ صار القومُ صائِرْ

ومنها كذلك خطبة هاشم بن عبدمناف يحث قريشًا على إكرام حجاج البيت الحرام: "كان هاشم بن عبدمناف يقوم أول نهار اليوم الأول من ذي الحجة فيسند ظهره إلى الكعبة من تلقاء بابها فيخطب قريشًا فيقول: يا معشر قريش، أنتم سادة العرب: أحسنها وجوهًا، وأعظمها أحلامًا، وأوسطها أنسابًا، وأقربها أرحامًا، يا معشر قريش، أنتم جيران بيت الله: أكرمكم بولايته، وخصكم بجواره دون بني إسماعيل، وحفظ منكم أحسن ما حفظ جار من جاره، فأكرموا ضيفه وزوارَ بيته؛ فإنهم يأتونكم شُعثًا غُبرًا من كل بلد، فورب هذه البنية لو كان لي مال يحمل ذلك لكفيتكموه، ألا وإني مخرجٌ من طيب مالي وحلاله بما لم يقطع فيه رحم، ولم يؤخذ بظلم، ولم يدخل فيه حرام، فواضعه، فمن شاء منكم أن يفعل مثل ذلك فعل، وأسألكم بحرمة هذا البيت ألا يخرج رجل منكم من ماله لكرامة زوار بيت الله ومعونتهم إلا طيبًا: لم يؤخذ ظلمًا، ولم يُقطع في رحم، ولم يغتصب".

ومنها هذه الكلمة التي نفَّر فيها نفيل بن عبدالعُزَّى (جدُّ عمر بن الخطاب) عبدالمطلب (جَدَّ الرسول) على حرب بن أمية: "تنافر عبدالمطلب بن هاشم وحرب بن أمية إلى النجاشي ملك الحبشة فأبى أن ينفر بينهما فجعلا بينهما نفيل بن عبدالعزى بن رباح، فقال لحرب: يا أبا عمرو، أتنافر رجلًا هو أطول منك قامة، وأعظم منك هامة، وأوسم منك وسامة، وأقل منك ملامة، وأكثر منك ولدًا، وأجزل صَفَدًا (أي أكثر عطاءً)، وأطول منك مذودًا (أقوى لسانًا)، وإني لأقول هذا، وإنك لبعيد الغضب، رفيع الصوت في العرب، جلد المريرة، جليل العشيرة، ولكنك نافرت منفَّرًا، فغضب حرب وقال: إن مِن انتكاس الزمن أن جُعلت حكَمًا".

ومنها وصيَّة ذي الإصبع العدواني لابنه عند إشرافه على الموت، "يا بني، إن أباك قد فني وهو حي، وعاش حتى سئم العيش، وإني موصيك بما إن حفظته بلغت في قومك ما بلغته، فاحفظ عني: ألِنْ جانبك لقومك يحبوك، وتواضع لهم يرفعوك، وابسط لهم وجهك يطيعوك، ولا تستأثر عليهم بشيء يسوِّدوك (أي يجعلوك سيدًا عليهم)، وأكرم صغارهم كما تكرم كبارهم، يكرمك كبارهم، ويكبر على مودتك صغارهم، واسمح بمالك، واحمِ حريمك، وأعزز جارك، وأعن مَن استعان بك، وأكرم ضيفك، وأسرع النهضة في الصريخ؛ فإن لك أجلًا لا يعدوك، وصُن وجهك عن مسألة أحد شيئًا، فبذلك يتم سؤددك".