حضور التراث في أدب الطفل الجزائري
"القصة نموذجا"
د/العيد جلولي
جامعة قاصدي مرباح ورقلة - الجزائر
التراث: المفهوم والإشكالية:
يدور
حول مفهوم التراث جدل كبير ونقاش حاد والسبب في ذلك هو كونه مصدر الهوية
والانتماء الحضاري للأمة، وقد اتخذ النقاش حوله مسارات مختلفة واتجاهات
متضاربة, فانقسم المفكرون والمثقفون حوله إلى طوائف وشيع فمنهم من يشكك في
جدواه وفعاليته في راهن الأمة ومستقبلها، ومنهم من يعتبره الركيزة
الأساسية لكل نهضة ، ولعل مصدر هذا الاختلاف البين هو عدم إيجاد تعريف علمي
دقيق للتراث يستوعب جميع الأطراف وينزع فتيل النزاع بينهم .
جاءت كلمة (التراث) في المعاجم العربية تحت مادة ( ورث) وهو فعل ثلاثي،
ففي لسان العرب : الِورْثُ، الوَرْثُ والإرث والوارث والإراث والتراث واحد،
وفي حديث الدعاء: " إليك مآبي ولك تراثي " والتراث ما يخلفه الرجل لورثته،
والتاء فيه بدل الواو .(1). وقد أجمعت القواميس العربية القديمة على أن
كلمة (التراث) تعني ما خلفه الرجل لورثته, أما القواميس الحديثة ومنها معجم
المصطلحات العربية في اللغة والأدب فيذهب إلى أن كلمة التراث تعني ما خلفه
السلف من آثار علمية وأدبية مما يعتبر نفيسا بالنسبة لتقاليد العصر الحاضر
وروحه, مثال ذلك الكتب المحققة وما تحتويه المتاحف, والمكتبات من آثار
وكتب تعتبر جزء من حضارة الإنسان (2)
أما في الكتابات العربية المعاصرة فقد أخذت كلمة (التراث) دلالات وأبعادا
لم تكن معروفة عند القدامى، وأصبحت تعامل بشيء من الحساسية شأنها شأن
الكثير من المصطلحات الحديثة, فلم تعد تنحصر فيما يخلفه السلف للخلف أو ما
تحتويه المتاحف والمكتبات من آثار "بل صار هذا المصطلح وثيق الارتباط
بأنماط السلوك البشري الراهن وبالحياة الحضارية للأفراد والأقوام
والجماعات, وبكل ما له صلة بوجود الإنسان الحي على سطح هذه المعمورة من
أنظمة وقيم ودساتير ومعتقدات ووسائل العيش وإمكانيات التصور ونحو ذلك "
(3) لهذا كله يحاول البعض تقديم تعريف للتراث أكثر واقعية حتى لا يثير
تلك الحساسيات التي تربط بين مفهوم التراث الضيق والبعد الأيديولوجي
فالتراث عند هؤلاء هو " كل ما وصل الأمم المعاصرة من الماضي البعيد أو
القريب سواء تعلق الأمر بماضيها هي أو بماضي غيرها من الشعوب أو بماضي
الإنسانية جمعاء, فهو أولا : مسألة موروث، وهو ثانيا : مسألة معطى واقع
يصنف إلى ثلاثة مستويات :
1 - مستوى مادي يتمثل في المخطوطات والوثائق والمطبوعات والآثار والقصور والمعابد والأضرحة ...إلخ
2
- مستوى نظري يتحدد في مجموعة من التصورات والرؤى والتفاسير والآراء التي
يكونها كل جيل لنفسه عن التراث انطلاقا من معطيات اجتماعية وسياسية وعلمية
وثقافية تفرزها مقتضيات المرحلة التاريخية التي يجتازها أبناء ذلك الجيل .
3
- مستوى سيكولوجي والمقصود به هو تلك الطاقة الروحية الشبيهة بالسحر التي
يولدها التراث في المنتمين إليه حيث يجري احتكاره من قبل نخبة أو جماعة أو
فئة من المنتفعين والمتسلطين قصد استغلاله في ميدان التوجيه السياسي
والتعبئة الأيديولوجية نظرا لما يزخر به التراث من مفاهيم وتصورات وأفكار
وعقائد وأساطير وعادات وتقاليد وفلكلور ومثل ومبادئ وقيم تملك سلطة قوية
على مخاييل الأفراد والجماعات التي تعجز عن مقاومة تأثيره عليها " (4).
وانطلاقا من هذه الرؤيا فإن التراث يغدو قابلا للتشكل وفق آليات العصر
وضرورات الحياة كما يغدو مادة حية نستلهم منها ما يفيدنا في مجال الفكر
والأدب وهذا ما تسعى هذه الدراسة بلوغه وتحقيقه .
التراث وأدب الأطفال :
بين أدب الأطفال والتراث علاقة قوية تظهر في كل الآداب وعند جميع الشعوب
والأمم، ففي بداية تشكل هذا الأدب في العصر الحديث كان التراث هو المصدر
الأساسي في الكتابة للأطفال، فمنه استلهم الكتاب في أوروبا عشرات القصص,
نذكر منهم تشارلز بيرو (Charles Perrault) (1628-1703) الذي اقتبس من التراث قصة " حكايات ماما الأوزة " وفرنسيس أوزبورن (Francis Osborne) الذي كتب عام 1656 قصة " وصية لابن " مستفيدا من التراث، ومنهم روبرت سامبر (Robert Samber ) الذي ترجم سنة 1719 " حكايات ماما الأوزة " لتشارلز بيرو ومنهم أيضا هانز كريستيان أندرسون (Hans (Christian Anderson الذي
يعد بحق رائد أدب الأطفال في أوروبا الذي نهل من التراث مجموعات قصصية
عديدة وغيرهم من الكتاب .(5) ويعود هذا لعلاقة أدب الأطفال بالتراث،
فالتراث تعبير عن طفولة البشرية، وترجمة لتفكير المجتمعات الأولى, لهذا عد
التراث من أهم الينابيع التي رفدت هذا الأدب بمادة ثرية غنية لا تنضب، فقد
أتاح التراث للأدباء أن يقتبسوا منه ما يشاؤون من الأشكال والموضوعات .(6)
والتراث العربي بكل عناصره حافل بكثير من الظواهر القصصية ومليء بكثير من
النصوص السردية، ففيه أيام العرب في الجاهلية والإسلام، وفيه أخبار الملوك
والأمم وحكايات المناذرة والغساسنة وقد سجلت كتب التراث هذه الحكايات
والأخبار ككتاب التيجان في ملوك حمير لوهب بن منبه (7)، وكتاب أخبار اليمن
وشعرائها وأنسابها لعبيد بن سرية الجرهمي, وكتاب خلاصة
السير الجامعة لعجائب أخبار الملوك التبابعة لنشوان الحميري، وتاريخ الأمم
والملوك للطبري, والأغاني للأصفهاني، والعقد الفريد لابن عبد ربه وغيرها
من كتب التراث (8) وهذا التراث الحافل بهذه الظواهر في حاجة إلى إعادة
الصياغة والتوظيف والتبسيط ليكون في متناول المتلقي الصغير, وقيامنا بهذا
يحقق جملة من المقاصد والأهداف نذكر منها ما يلي :
تعريف الأطفال بتراثهم, وببعض جوانب تاريخهم خصوصا في عهود الازدهار ليشب على التمسك بماضيه .
تقديم البطولات العربية من أجل غرس قيم الشجاعة في نفوس الأطفال .
تعميق الانتماء القومي العربي الإسلامي لدى الأطفال عن طريق الحكايات المستلهمة من هذا التراث مما يدعم التمسك بالهوية القومية .
تنمية الخيال لدى الأطفال، وربطهم بالماضي وتعريفهم بمشاهير العلماء والأدباء .(9)
حضور التراث في القصة الجزائرية المكتوبة للأطفال :
المتتبع للقصة المكتوبة للأطفال في الجزائر يلاحظ ذلك الارتباط الوثيق
بالتراث حتى أعتقد البعض أن قصص الأطفال ليس لها من المصادر التي تنهل منها
سوى التراث وهذا لغلبته وطغيانه وكثرة توظيفه في هذا الأدب, وقد تنوعت
مصادر هذا التراث وتداخلت الأمر الذي دفعنا إلى تصنيف المادة التراثية التي
استقى منها الكتاب مادتهم إلى :
مصادر تراثية أدبية.مصادر تراثية تاريخية.مصادر تراثية دينية .مصادر تراثية شعبية.
أولا : المصادر التراثية الأدبية :
وهي كل ما وصلنا عن العرب منكتب
أدبية قديمة حوت قصصا وحكايات، وكتبت باللغة العربية، وهذه المصادر منها
ما هو عربي الأصل، ومنها ما هو غير عربي الأصل دخل الأدب فأصبح جزء من
التراث الأدبي العربي.
فمن المصادر العربية الأصل كتاب» البخلاء « للجاحظ (ت.255 هـ), وكتاب » الأغاني « لأبي الفرج الأ صبهاني (ت.356 هـ)، و» مقامات « بديع الزمان الهمذاني (ت.383 هـ) وكتاب »رسالة الغفران « لأبي العلاء المعري (ت.449 هـ) و» مقامات « الحريري (ت.516هـ) وكتاب » حي بن يقظان « لابن طفيل (ت.571 هـ) وكتاب » نهاية الأرب في فنون الأدب « للنويري (ت.732 هـ) وكتاب » المستطرف في كل فن مستظرف« للابشيهي
(ت.850 هـ) والأدب العربي ثري بهذا اللون من التأليف.ومن المصادر غير
عربية الأصل كتاب " كليلة ودمنة " لابن المقفع، وكتاب » ألف ليلة وليلــة«.والمتتبع لقصص الأطفال في الجزائر يجد أن أكثر هذه الكتب حضورا في قصص الأطفال هي كتاب » ألف ليلة وليلة «وكتاب
"كليلة ودمنة " لابن المقفع وسنفصل القول فيهما، أما بقية الكتب فلم
تستثمر استثمارا كافيا خصوصا كتب النوادر والملح والطرائف وهي كثيرا في
الأدب العربي.
كتاب » ألف ليلة وليلة «:
القصص المقتبسة من كتاب » ألف ليلة وليلة «: في أدب الطفل الجزائري :احتفى
أدب الأطفال في الجزائر بهذا الكتاب فأقبل الكتاب على توظيف قصصه وحكاياته
في أدبهم الموجه للأطفال وتأتي حكايات السندباد في طليعة الحكايات
المستلهمة من هذا الكتاب، كما يأتي خضر بدور في مقدمة هؤلاء الكتاب, فقد
استلهم من ألف ليلة وليلة قصصاً كثيرة منها قصة (حكايات السندباد
البحري)(10) والتي يروي فيها السندباد مغامراته مع الجزيرة الحوت، إذ يضطر
السندباد إلى السفر للتجارة بعد أن بدد ثروته بسوء تصرفه وتبذيره، فيركب
البحر مع مجموعة من التجار، وينتقلون من جزيرة إلى أخرى إلى أن ينتهي بهم
المطاف إلى جزيرة ما هي بجزيرة حقيقية وإنما هي سمكة كبيرة فتقذف بهم في
أعماق البحر، فيتشبث السندباد بقطعة من الخشب، فتحمله الأمواج إلى جزيرة
أخرى فيستقبله ملكها ويرحب به، وبعد مغامرات عديدة يعود إلى أهله في بغداد
سالماً غانماً، ويلاحظ المتتبع لهذه القصة أن المؤلف حافظ فيها على قدر
كبير من مضمونها الأصلي مع تعديلات بسيطة كإغفاله شخصية الحمال والتركيز
على شخصية السندباد باعتباره بطل الحكاية، خلافاً لما جاء في قصة (السندباد
والحوت)(11) والتي توظف شخصية الحمال الذي يظهر في هذه القصة متأسفاً لحال
الدنيا كيف تعطي أناساً أموالاً طائلة وتحرم آخرين، فيستضيفه السندباد في
قصره، ويروي له مغامراته، ويبين له أنه لا سبيل للنجاح والسعادة والغنى إلا
بالصبر والعمل وتجشم المصاعب والمشاق. ومن الكتّاب الذين اقتبسوا من ألف
ليلة وليلة قصصاً للأطفال نوري بشاري فقد استلهم منه قصة (علاء الدين
والمصباح السحري) وقصة (مغامرات السندباد) ففي هذه الأخيرة يقوم السندباد
بمغامرات مختلفة، ويلاحظ قارئ القصة أن صاحبها حافظ على حوادثها كما هي في
مصدرها ولم يتصرف فيها إلاّ في التبسيط والتهذيب مما يجعلها مناسبة للمتلقي
الصغير.
ومن الكتّاب الذين استلهموا من هذا التراث الأدبي الضخم قصصاً للأطفال
الكاتب محمد المبارك حجازي وله في هذا المجال سلسلة (من وحي مغامرات
السندباد البحري) وتضم هذه السلسلة مجموعة من القصص، وقد عدل الكاتب في
قصصه، وجعلها مغايرة للقصة الأصلية كما وردت في مصدرها وهذا لتتناسب ومستوى
الأطفال. وشخصية السندباد هي أهم شخصية وظفت في القصص الموجه للأطفال في
الأدب الجزائري، فقد وجد الكتاب في شخصية السندباد بطلاً مغامراً متغلباً
على كل ما يعترضه من أخطار، وما يصادفه من صعاب، منتصراً للحق والفضيلة
والخير، يعود بعد مغامرات كثيرة إلى مسقط رأسه محملاً بالهدايا والكنوز.
وقد اختلفت مستويات توظيف هذه الشخصية فمن الكتاب من حافظ على ملامحها
وسماتها كما وردت في مصدرها ومنهم من أضاف إليها إضافات لا تفسد هذه
الملامح ومنهم من حذف وغير وبدّل، لأن فنيات التلخيص والتبسيط تستدعي ذلك.
وبالإضافة إلى شخصية السندباد ومغامراته هناك شخصيات أخرى حظيت بالاهتمام
فوظفت في القصص الموجه للأطفال في الجزائر كشخصية على بابا في حكاية (علي
بابا والأربعون لصاً) وتقوم القصة على فكرة وجود أخوين (قاسم) و(علي) فقاسم
الأخ الأكبر لعلي يتزوج من امرأة ثرية ورثت عن أبيها أموالاً كثيرة فأصبح
قاسم من أثرياء المدينة، بينما تزوج علي امرأة فقيرة فأضحى فقيراً لا يملك
إلا حماراً يحتطب عليه من أجل الحصول على لقمة العيش، ولكن تشاء الصدف أن
يعثر علي على أموال كثيرة بفضل عبارة خارقة ومفتاح سحري وهو (افتح يا سمسم)
ليصبح في الأخير غنياً، وذلك بعد قيامه بمغامرات كثيرة، بينما يتعرض قاسم
للفقر بسبب محاولاته الفاشلة سرقة أموال أخيه ومفتاحه السحري. وشخصية علي
بابا في هذه الحكايات تظهر بمظهر الشخصية الطيبة القنوعة المنتصرة للخير
والحق في حين تظهر شخصية قاسم على النقيض من ذلك شخصية انتهازية أنانية
تتميز بالطمع بحيث تحاول بكل الطرق الاستحواذ على مصدر ثروة علي فكان
جزاؤها الهلاك.
فالحكاية انطلاقاً من هذه المبادئ تتناسب والأطفال إذ ينتصر فيها الخير
على الشر دوماً وأبداً في صراعهما التقليدي والمستمر، ومع ذلك تتسرب قيم
سلبية، فالمتأمل في الأحداث يجد في القصة تبريراً لسرقة علي بابا أموال
اللصوص كونه مالاً مسروقاً، ذلك أن سرقة المسروق سرقة لا تبررها أية غاية.
ومن الشخصيات التي وظفت أيضاً شخصية (علاء الدين) في حكاية (علاء الدين
والمصباح السحري) فقد استلهم هذه الحكاية كُتاب كثيرون نذكر منهم محمد
مشعالة، ومحمد المبارك حجازي وخضر بدور وغيرهم. وشخصية (علاء الدين) شخصية
مثيرة ومشوقة لما تنطوي عليه من خيال عجيب، وما تقوم به من أعمال خارقة
تنشد إليها الأطفال، وترحل بهم في عالم لا يرتاده إلا في الأحلام، فيجد
فيها الأطفال متنفساً لما يختلج في نفوسهم من مكبوتات وما يعتمل في صدورهم
من مشاعر، فشخصية علاء الدين تمثل الخير وتنتصر لـه، وتصارع الشر وتهزمه
غير أن هناك قيماً سلبية تختفي وراء هذا الانتصار، فكل ذلك لا يتم بواسطة
العمل المثمر الجاد بل يتم دائماً بواسطة حلول خارقة وسحرية(12).
ومن خلال ما سبق نلاحظ أن الكاتب الجزائري في استلهامه قصص ألف ليلة وليلة
يعمد إلى تأطيرها بإطار زماني ومكاني ليوحي للطفل بواقعيتها رغم غرابتها
الشديدة. فتعدد الأمكنة، فمن بغداد إلى البصرة إلى بلاد الهند وفارس
وإفريقيا، وتختلف الأزمنة فمن قديم الزمان وسالف العصر والأوان إلى عهد
هارون الرشيد، كما حرص على صبغ الحادثة الخيالية بطابع واقعي وهذا من أجل
خلق انسجام بين العناصر الخيالية والعناصر الواقعية، فأبطال هذه الحكايات ـ
السندباد، علاء الدين، علي باباـ هم يشر في سلوكهم وتصرفاتهم يقومون
بأفعال وأعمال إنسانية فهم يجسدون في قصصهم صراع الخير والشر ومعاناة
الإنسان في سعيه وراء لقمة العيش، وكل هذا من شأنه أن يقنع المتلقي الصغير
بواقعية الحكاية.
ب ـ كتاب "كليلة ودمنة": القصص المقتبسة من كتاب »كليلة ودمنة «: في أدب الطفل الجزائري :احتل
كتاب كليلة ودمنة مكانة كبيرة في أدب الطفل الجزائري فاقتبس الكُتّاب منه
عشرات القصص للأطفال فكان هذا الكتاب بمثابة المنبع الذي أمدّهم بمادة
قصصية ثرية لا تنضب، ويأتي كل من أحمد بوهلال, ومحمد الصالح حرز الله،
وبوزيد حرز الله، وصلاح يوسف عبد القادر, ومحمد ناصر, وعبد الحفيظ شقال,
وحسين بوروبة, ومحمد سراج، وآمنة آشلي, ومحمد المبارك حجازي, ومحمد مشعالة،
وخالد أبو جندي, وعساف صالح عساف, في مقدمة الكُّتاب الذين استلهموا من
هذا الأثر الأدبي قصصاً للأطفال. ومن أمثلة القصص المستلهمة من هذا الكتاب
قصة (السلحفاة والبطتان) وهي من القصص المشهورة التي كانت مدار قصص كثيرة
في أدب الطفل الجزائري منها قصة (السلحفاة والبطتان) لآمنة آشلي والتي
حافظت فيها على نص الحكاية كما ورد في المصدر, ومضمون القصة: أن سلحفاة
حمقاء لم ترض بحكمة الله في خلقه فأرادت الطيران فكان عاقبتها الهلاك، ومن
الأمثلة أيضاً قصة (الضيف المزعج) لمحمد المبارك حجازي والذي استلهمها من
وحي كليلة ودمنة حيث احتفظ فيها الكاتب بشخصيتها التي جاءت من عالم
الحشرات، إلا أنه اختار لها عنواناً جديداً مع تغيير طفيف في بداية القصة
لتعود الأحداث بعد ذلك لتحافظ على سيرها كما في المصدر ولعل الهدف من القصة
هو وجوب حذر الإنسان من الاقتراب ممن لا يرى فيهم الخير.ومن
الأمثلة أيضاً قصة "النسرة الغادرة والثعلب العاجز" وهي تدور حول معاهدة
جمعت بين النسرة والثعلب إذ عقدا عهداً على الصداقة والوفاء، وتوطدت
العلاقة بينهما بحكم الجوار في المأوى، إلا أن النسرة خانت ذلك العهد فكان
مصيرها الهلاك. وهكذا في كل هذه القصص نلاحظ انتصار الخير على الشر
والفضيلة على الرذيلة والحق على الباطل وهي غايات يهدف إليها أدب الأطفال
ويسعى إلى تحقيقها.
ثانيا : المصادر التراثية التاريخية :
ونعني بها كل الحوادث والوقائع التاريخية التي يمكن أن تكون مصدر إلهام
للأدباء وتدخل ضمن التراث لكونها تتعلق بحوادث التاريخ البعيد أو القريب،
القديم والحديث. والدارس للقصة الجزائرية المكتوبة للأطفال يجدها لم تستثمر
هذا المصدر كما ينبغي رغم ما في التاريخ الجزائري من أحداث ووقائع تصلح أن
تكون مادة فعالة لعشرات القصص. وما يقال عن التاريخ الجزائري يقال أيضا عن
التاريخ العربي والإسلامي .
ومن القصص القليلة التي استلهمت حوادثها من التاريخ نذكر على سبيل المثال
القصص التالية: قصة " عميروش وقصص ثورية " لمحمد الصالح الصديق وقصة "شجرة
الانتقام " للجيلالي العوامر، وقصة " صغار ولكنهم مجاهدون " لعبد الوهاب
حقي، وقصة " البطل الصغير" لعبد العزيز بوشفيرات، وقصة " معركة الثكنة "
لأحمد الطيب معاش وسلسلة "مغامرات هشام " لمولود مسخر، وقصة " ما أقرب فرج
الله " لأبي إلياس، وقصة " رايس حميدوا " لعباس كبير بن يوسف، و" سلسلة
أبطال نوميديا " لعبد الحق سعودي، وقصة " الأمير عبد القادر مفاوض محنك "
وقصة " الأمير عبد القادر رائد مقاومة " وقصة " الأمير عبد القادر"
والظروف القاسية " وقصة " الأمير عبد القادر ونماذج من معاركه " وكلها
لمصطفى رمضان. وسلسلة " من أعلام الجهاد الإسلامي لأحمد بوخطة، وقصة "
أسياد البحر " و" أساطير تلمسان المحاصرة " لمحمد سهيل ديب، وسلسلة "
شخصيات من تاريخنا " لعبد العزيز بوشفيرات, وغيرها من القصص .
ثالثا : المصادر التراثية الدينية : تعددت
المصادر الدينية التي استفاد منها كتاب القصة الموجهة للأطفال في الجزائر،
ومن هذه المصادر: القرءان الكريم، السيرة النبوية، والحديث النبوي.
أ
- القرءان الكريم: يتميز هذا المصدر بالثراء الموضوعي، ففيه قصص كثيرة
ومبادئ أخلاقية عديدة كالصبر والثبات والتضحية والدفاع عن الحق ونصرة
المظلومين " وكلها قيم ومبادئ يمكن بوسائل العرض الفنية أن تشبع حاجات
الأطفال، لاسيما إذا وجدت المواهب القادرة على حسن التوظيف واستثمار هذه
الجوانب في أعمال فنية ناضجة واعية تناسب الأطفال، فتغذي اهتماماتهم في هذه
المراحل الباكرة من العمر، فيقبلون بحب وشغف على القصص التي توحي بمثل هذه
المبادئ ". وقد ألفت ونشرت في الجزائر عدة قصص وسلاسل قصصية استوحى
أصحابها مواضيع قصصهم من القرءان الكريم ومن هؤلاء حسن رمضان فحلة في سلسلة
" قصص الأنبياء للأطفال" (13)، وتضم هذه السلسلة ثلاثين قصة تناول فيها
سيرة الأنبياء بطريقة حوارية وهذه المجموعة تناسب الأطفال في مراحلهم
المتوسطة والأخيرة نظرا لطبيعة الموضوع الذي تعالجه، والأفكار التي تطرحها،
وسنكتفي بتحليل القصة الأولى من هذه السلسلة، وهي قصة "آدم عليه السلام"
لنأخذ فكرة عن هذه المجموعة.
"
قصة آدم عليه السلام " تقع هذه القصة في اثنتين وثلاثين صفحة من القطع
المتوسط، وليس بها رسوم أو صور, تبدأ القصة بحوار بين الأخوين هما عمر
وفاطمة، تسأل فاطمة أخاها عن الإنسان الأول في هذا الوجود، فيجيبها بأن أول
إنسان وجد في هذا الكون هو أبونا آدم، فتسأله كيف عرف ذلك؟ فيجيبها بأنه
عرف ذلك من درس التربية الإسلامية الذي شرحه المعلم، ثم تسأله عن المصادر
التي أعتمد عليها الأستاذ لتحضير الدرس، فيجيبها بأن المصادر التي اعتمدها
في الدرس هي القرآن الكريم، والسنة النبوية، وكتب الباحثين.
لا شك أن في هذا التقديم شيء من التكلف فمن المستبعد أن يسأل طفل صغير عن
المصادر والمراجع التي يعتمدها الأستاذ أو المعلم في تحضير درسه، غير أن
الكاتب أراد أن يثبت بأسلوب غير مباشر المصادر والمراجع التي اعتمدها هو
نفسه في كتابة هذه المجموعة من القصص. ثم يتواصل الحوار بين الأخوين عمر
وفاطمة، فكانت فاطمة تسأل، بينما كان عمر يجيبها من خلال ما تعمله في
المدرسة أو من خلال رجوعه إلى التفاسير، وكان الكاتب يذكر اسم تلك
التفاسير، وفي ذلك إشارة أيضا إلى التفاسير التي اعتمدها في عرض أحداث قصته
كتفسير المراغي وغيره. وقد قسم الكاتب قصته إلى وحدات فكرية متعددة وجعل
لكل وحدة عنوانا، وهذه الوحدات هي: آدم عليه السلام.آدم عليه السلام أول إنسان في الوجود. خلق الكون.مادة الخلق.أمر الله يجب تنفيذه.عصيان إبليس.عاقبة العصيان.إبليس عدو لدود لبني آدم إلى يوم القيامة.المخرج من المأزق.تكريم آدم عليه السلام.الشجرة المنهي عنها.الجزاء والتوبة.
وتقسيم القصة إلى وحدات فكرية متعددة يدفع الملل عن الطفل القارئ، ويحدث
لديه نوعا من التفكير، وتنشيط الذهن، غير أن الكاتب لم يحاول تبسيط بعض
المسائل الدينية التي كانت مثار جدل بين المفسرين، وقدمها بطريقة لا تروي
ظمأ الطفل المتعطش للمعرفة، ومن هذه المسائل: خلق الكون، مادة الخلق، تعليم
الله لآدم الأسماء الحسنى كلها، سجود الملائكة لآدم، كيفية السجود وغيرها
من المسائل، وكان بإمكان الكاتب أن لا يخوض في الكثير من هذه المسائل، غير
أن حرصه على استخدام كل المعلومات التي جمعها عن هذه الشخصية جعله يثيرها
ويتناولها في قصص مكتوبة للأطفال.
والملاحظ على مجمل قصص هذه السلسلة أنها تعتمد أسلوب الحوار في بنائها مما
أكسبها امتدادا رأسيا، غير أن هذه القصص تفتقر إلى الخيال الفني لاعتمادها
على حوادث التاريخ فقط، الأمر الذي أسقطها في التعليمية القائمة على
التلقين والوعظ. ومن هذا النوع أيضا القصة «سليمان والنملة» وهي قصة
استوحاها زكريا مكسار من القصص القرآني، فقد وردت القصة في سورة النمل وعلى
الرغم من أن هذه السورة عرضت قصة سليمان بتوسيع أكثر من أية سورة أخرى إلا
أن هذا المشهد –سليمان
مع النملة - يعد من أقصر المشاهد مما دفع الكاتب إلا أن يتوسع ويطنب في
القصة وأن يضيف إليها من مصادر ومراجع دينية أخرى ذكرها في آخر الكتاب. وقد
قسم الكاتب قصته إلى وحدات فكرية متعددة وجعل لكل وحدة عنوانا بارزا وهذه
الوحدات هي:
سليمان نبي ورسول الله.سليمان ملك بني إسرائيل.سليمان عليه السلام في الوادي.النمل في مساكنهم.سليمان عليه السلام يضحك.سليمان عليه السلام يشكر ربه.سليمان عليه السلام في القدس.النمل يصلي.النمل يسقي سليمان عليه السلام.سليمان عليه السلام يموت.
وهو بهذه التقسيم يحدث لدى الطفل القارئ نوعا من التفكير وتنشيط الذهن كما
يدفع الملل عنه، كما أنه بهذه الزيادة والإضافات خلق صورة متكاملة، فموضوع
فتح داود والد سليمان الشام، وانتصاره على جالوت في القرن 10 ق.م، وقيام
النملة بصلاة الاستسقاء كلها موضوعات لم ترد في النص القرآني ولعل الكاتب
اجتهد في البحث عنها فأعطى بذلك للقصة صورة حية تقربها إلى ذهن الطفل
وتجعله يتابع قراءتها بشوق ولهفة. كما نشرت المؤسسة الوطنية للكتاب سابقا
بالتعاون مع دار الشروق ببيروت سلسلة " قصص القرآن " لأحمد بهجت، ومن قصص
هذه السلسلة:
قارون، سيل العرم،السامري والعجل،أصحاب الأخدود، الملك طالوت والنهر، صاحب
الجنتين وغيرها، كما صدرت في الجزائر سلسلة «أكل وشرب على مائدة القرآن
الكريم «
وبلغ عدد أجزائها ستة، وقد اشترك في تأليفها كل من شريف الراس وعبد الله
الطنطاوي وتضم هذه السلسلة قصصا ونوادر ومعلومات مفيدة عن الأكل والشرب.
ب- السيرة النبوية والحديث الشريف:
كانت
السيرة النبوية، وما زالت مصدر إلهام للأعمال الأدبية والفنية على توالي
العصور، وقد تمثلت في مسيرتها الطويلة جميع الفنون الأدبية من قصة إلى
قصيدة إلى مسرحية في الأدب الفصيح، وفي الأدب الشعبي على السواء.وعندما
ظهرت القصة المكتوبة للأطفال في الجزائر كانت السيرة النبوية مصدرا بارزا
في إنتاج الكتاب الذين نهلوا منها قصصهم الموجهة للصغار. ومن الذين استفادوا من هذا المصدر التراثي محمد المبارك حجازي في سلسلة " سرايا الرسول للأطفال."
وثمة قصص كثيرة اعتمدت على المصادر الدينية بصفة عامة، نذكر منها " سلسلة
أحباب الله للأطفال" لأحمد كاتب، و"سلسلة المربي لقصص الأطفال " لمحمد بن
صالح ناصر وقد صدر منها:"
جزاء الإحسان، في الاتحاد قوة، عاقبة الغرور، الذكاء نعمة، عاقبة الكسل،
في العجلة الندامة ". وخلاصة القول فإن معظم هذا النوع من القصص يبرز فيها
الهدف الوعظي والأخلاقي بطريقة مباشرة، كما تتجاوز مستوى الأطفال خصوصا في
مراحلهم الأولى، وقد خلا معظمها من وسائل التجسيد الفني كالصور والرسومات,
وهذا النوع من القصص موجود دائما غير أنه يكثر ويتقدم وينتشر بقوة أحيانا،
ويتوارى حتى يكاد يختفي أحيانا أخرى تبعا لعلو الحس الديني أو هبوطه في
المراحل الاجتماعية والسياسية المختلفة.
رابعا - المصادر التراثية الشعبية :
أ - أهمية التراث الشعبي وصلته بأدب الأطفال:ويدخل
ضمن هذا المصدر كل ما وصلنا عن أسلافنا القدامى من حكايات شعبية وخرافية،
وأساطير تقليدية وأمثال وأشعار ولهذا المصدر أهمية كبيرة في عملية التنشئة
المتكاملة للطفل، فإذا أردنا تثقيف الطفل وتنميته وتنشئته على أسس سليمة،
فلا بد أن نقدم له جرعة من هذا التراث الشعبي حتى لا ينشأ مقطوع الصلة
بماضيه، فنعرفه عادات مجتمعه وتقاليده وفنونه الشعبية، فالطفل في هذه
المرحلة من حياته يكون أقدر فئات المجتمع على استيعاب هذا التراث لأنه
مازال في مرحلة الاستيعاب لكل ما يبث ويلقى إليه.لهذا
كله يعتبر التراث الشعبي المصدر الرئيسي لكتاب قصة الأطفال بدءا من "
تشارلز بيرو" و" الأخوين جريم" و"هانس اندرسون" وانتهاء بكامل كيلاني في
الأدب العربي، والحكايات الشعبية والخرافية كانت تمثل أدب الأطفال في تلك
الحقب التاريخية حين لم يكن هناك أدب يهتم بالأطفال مباشرة كما هو الحال في
العصر الحديث.ففي
تلك العصور وجد الأطفال في هذه الحكايات متنفسا كبيرا حين " تروى في سهرات
السمر بالليل في نطاق الأسرة،حين يجتمع الأطفال حول جدتهم أو أمهم لتروي
لهم حكايات عن حديدوان والشيخ العكوك ونصيف عبيد وابن عائق أمه وطرنجة
والغول بومنتين والغولة عويجة الرقبة و ولد السلطان... ويستمر هذا الوله
بالاستماع للحكايات الخرافية مع الأطفال إلى أن يصبحوا في طور الشباب "
(14)
ويذهب عبد الحميد بورايو إلى وجود تماثل " بين نمو عالم الإنسان الداخلي،
وتشكل عالم الحكاية الخرافية وهي صفة تجعل منه مادة مغرية للفرد الشعبي،
الذي يجد فيه كشفا للعمليات الداخلية التي تجري في ذاته، وخاصة في مرحلة
الطفولة عندما تنشط عملية التغير، وتلح الرغبة في تحقيق الذات، ومعرفة
أسرارها وهو مايفسر إقبال الأطفال على هذا النمط من أشكال التعبير الشعبي،
واتخاده من طرف المجتمع الشعبي أداء لتربية الطفل " (15). كما أشار الناقد
الانجليزي وليم امبسون ((william Empson
في معرض حديثه عن أنماط الأدب الرعوي إلى موقع الحكاية الشعبية الإنجليزية
المعروفة " إليس في بلاد العجائب" من البنية الخاصة التي ينطوي عليها
تراث الأدب الشعبي، هذا الموقع الذي يشير بوضوح إلى الإمكانات الهائلة التي
يمتلكها الأداء الشعبي في الاستحواذ على مخيلة الطفل التي تشبه في صفائها
وبساطتها مخيلة الشعب الكادح على وجه الخصوص (16). والحقيقة أن مستقبل
التراث الشعبي " مرهون بتعلق الطفل به، إذ أن هذا الطفل هو صانع المستقبل،
وإذا كان زمام أموره في أيدينا, فإن زمام أمورنا بيده مستقبلا، وسوف يحسن
بقدر ما نحسن إليه نحن, وما من إحسان قدر أن نرسب في نفسه حب الفنون
الشعبية ونرسخ في وجدانه جمالياتها، وروعتها, بكل ألوانها وصنوفها وأنواعها
" (17)
ب- القصص المقتبس من التراث الشعبي:
والدارس لقصص الأطفال في الجزائر يجد أن جزء كبيرا منه مقتبس من الأدب
الشعبي المحلي، فقد أعاد الكتاب الجزائريون حكاية هذه القصص الشعبية
والخرافية، غير أن إعادة هذه الحكايات يتفاوت مستواها من كاتب إلى آخر من
حيث الالتزام بالنص الأصلي فهناك من الكتاب من يتصرف في هذه الحكاية فيبدل
ويغير، ويقدم ويؤخر، ويضيف ويحذف لاعتقاده بأن بعض المواقف والمشاهد تسيء
إلى الطفل وتفزعه، وهناك فريق ثان أعاد الحكاية كما هي أو كما قيلت في
زمانها ومكانها لاعتقاده أن أي تغيير بالحذف أو الإضافة يفسد الحكاية، بل
وهناك من لم يكتف بالدعوة إلى الالتزام التام بالحكاية بل دعا إلى المحافظة
على الإيقاعية الشعبية أثناء سرد الحكاية كما دعا إلى استخلاص الأنماط
المختلفة لهذا السرد وتوظيفها من جديد في قصص أخرى يبدعها الكاتب من
خياله. كما يختلف مستوى الفريقين من حيث جودة هذا الإنتاج القصصي، فهناك
كتاب يملكون الموهبة الأدبية، والخبرة الفنية في كتابة القصص الأطفال،
وهناك فريق آخر من كاتبي هذه الحكايات أو بالأصح من معيدي كتابة هذه
الحكايات لا يملكون خبرة تؤهلهم لكتابة قصة للأطفال، لأن قصصهم تفتقد لأبسط
القواعد المتعارف عليها فيما يتعلق بكيفية إعادة هذه الحكايات، وتبسيطها
للأطفال، فجاءت قصصهم ضعيفة البناء، ركيكة الأسلوب .
د - استلهام نوادر جحا وحكاياته في القصص الموجهة للأطفال:
يرى
كامل كيلاني أن شخصية جحا الذي عرفه الكبار والصغار، ويتندر بأحاديثها
وفكاهتها سائر الناس على اختلاف ثقافاتهم شخصية حقيقة عاشت في القرن الثاني
من الهجرة واسمها الحقيقي هو أبو الغصن وجيه بن ثابت الملقب بجحا(18).وما
إن ظهرت هذه الشخصية على مسرح الحياة الشعبية حتى أعجب الناس بطرافتها
وملحها ونوادرها، واشتد إعجابهم بها فخلعوا لقب (جحا) على كل عجيب من
القول، وطريف من الحديث، وأصبح للقصص "الجحوي" خصائصه وسماته. وفي هذه
القصص يظهر جحا بصورة فيلسوف، ثم يظهر بصورة أبله، كما يظهر في صورة قاض،
ثم في صورة متقاض، وتارة يظهر في صورة سارق وتارة أخرى في صورة مسروق، كما
يظهر في صورة فقير ثم في صورة غني، حتى أصبحت كلمة (جحا) كافية للدلالة عن
هذا كله(19). كما تعددت انتماءات جحا فهناك جحا العربي واسمه أبو الغصن
وجيه بن ثابت وهناك جحا التركي المسمى بنصر الدين الرومي، كما أن هناك جحا
الليبي والمصري وهكذا واتساع الانتماءات وتعددها واختلاف الشخصية وتناقضها
مقترن بالغايات والأهداف التي من أجلها وظفت شخصية جحا. فقد تكون الغاية
تحقيق الفكاهة أو النقد الاجتماعي أو النقد السياسي وهكذا(20). وقد وجد
كُتّاب أدب الأطفال في النموذج الجحوي مادة خصبة لإضحاك الأطفال، وإدخال
المسرة على قلوبهم، فقدموا في هذا المجال عشرات القصص المستلهمة من نوادر
جحا كما وردت في كتب التراث ومن أوائل من كتب في نوادر جحا للأطفال محمد
الهراوي، وكامل كيلاني، ثم جاء بعدهما عبد العزيز بيومي ويوسف سعد وغيرهما.
هـ - قصص الأطفال المستلهمة من نوادر جحا في الجزائر:
استلهم
الأدباء في الجزائر من نوادر جحا قصصاً كثيرة للأطفال بعضها مقتبس من كتب
التراث وبعضها الآخر من وضع أصحابها، ويوصف جحا في معظم هذه القصص بأنه ذلك
الشخص اللاهي، الساخر من الناس، صاحب الظرف وسرعة التصرف والذكاء الخارق،
هذا إلى جانب البراعة في الخروج بسهولة من الورطات العسيرة، والمواقف
الحرجة وكلها صفات تتجمع في هذه الشخصية وتتحقق من خلالها أهداف تربوية
واجتماعية طالما تمنى الناس لها أن تسود بينهم على مر السنين. ومن هؤلاء
الكُتّاب الذين وظفوا هذه الشخصية في أدب الطفولة الجزائري أفروجن ساسية في
سلسلة نوادر جحا(21)، والأخضر زنتوت في سلسلة نوادر جحا(22), وعبد الحفيظ
شقال في قصة أموال جحا(23)، ومحمد المبارك حجازي في سلسلة قصص فكاهية
للأطفال(24) ضمّت الكثير من الطرائف ونوادر جحا. كما ساهمت بعض دور النشر
في إصدار سلاسل كاملة عن نوادر جحا دون ذكر مؤلفيها، ومن هذه الدور المكتبة
الخضراء التي أصدرت مجموعة من القصص حول نوادر جحا منها (جحا في المطعم)
و(جحا في الحمام) و(جحا الصادق) و(جحا القاضي) و(مسمار جحا) .
الإحـالات
1. ينظر ابن منظور, لسان العرب, دار صادر, بيروت، ط1, 1955/1992 ، ص200
2. ينظر حسين محمد سليمان, التراث العربي الإسلامي, ديوان المطبوعات الجامعية, الجزائر, 1988, ص16.
3. عثمان حشلاف, التراث والتجديد في شعر السياب, ديوان المطبوعات الجامعية, الجزائر, 1986, ص11.
5. ينظر العيد جلولي، النص الأدبي للأطفال في الجزائر, دار هومة، الجزائر, 2003, ص 13
6. ينظر المرجع نفسه, الصفحة نفسها .
7. وهو
كتاب يجمع بين الحداثة التاريخية والقصص الديني وبين الخرافة والأسطورة
والاهتمام به ليس اهتماما بالتاريخ فهو لا يشكل مرجعا تاريخيا أو مصدرا
علميا وإنما يأتي الاهتمام به والحرص عليه من أنه كتاب فني يسجل فجر ميلاد
القصة العربية وطريقة روايتها وقد قام بتحقيقه مركز الدراسات والأبحاث اليمنية .
8. ينظر علي الحديدي, في أدب الأطفال، مكتبة الأنجلو المصرية,القاهرة, ط3, 1982، ص213.
9. ينظر إسماعيل عبد الفتاح عبد الكافي, الأدب الإسلامي للأطفال, دار الفكر العربي, القاهرة, ط1، 1997، ص58.
10. صدرت عن دار الهدى, عين مليلة، الجزائر, 1994.
11. صدرت عن الزيتونة للأعلام والنشر, باتنة, الجزائر, (د.ت).
12. ينظر ذكاء الحر, الطفل العربي وثقافة المجتمع ,ص66.
13. صدرت
عن دار الهدى، عين مليلة, الجزائر 1992. ومن قصص هذه المجموعة بين قابيل
وهابيل، إدريس، نوح، هود، صالح، خليل الرحمان، هجرات إبراهيم، لوط، يعقوب،
يوسف الصديق، شعيب، موسى، داود، سليمان، أيوب، يونس، زكريا، عيسى، محمد.
14. عبد الحميد بورايو، القصص الشعبي في منطقة بسكرة، المؤسسة الوطنية للكتاب, الجزائر, 1986، ص129.
15. المرجع نفسه، ص 134.
16. ينظر خلدون الشمعة، الجذور المعرفية والإبداعية لأدب الأدب الأطفال، مجلة الموقف الأدبي، سوريا، عدد95, سنة 1979, ص13.
17. عبد التواب يوسف, الطفل العربي والفن الشعبي, الدار المصرية اللبنانية, القاهرة, ط1، 1996، ص10.
18. ينظر أنور الجندي، المرجع السابق، ص504.
19. ينظر سعد أبو الرضا، المرجع السابق، ص56.
20. صدرت هذه السلسلة عن دار إقليد للنشر (د.ت).
21. صدرت هذه السلسلة عن المطبعة الإسلامية بوهران 1990.
22. لم يرد في القصة اسم الدار ولا تاريخ النشر.
23. صدرت عن الشركة سوفاك، القرارة، (د.ت)